وجوه فساد القول بالعلية والمعلولية بين الخالق والمخلوق
الأول :
إن باب العلية والمعلولية يتم فيما إذا كان إعطاء المعطي من ذاته ، وأما
بالنسبة إلى المبدء المتعال الذي إعطاؤه حقائق الأشياء كان بالإبداع لا من
شئ فلا .
وبعبارة أخرى : موضوع الأول ما إذا كانت الفاعلية بالرشح والفيضان
بالمعنى الحقيقي عن ذات العلة ، أما الحق تعالى فهو منزه من تولد شئ منه ، بل
فاعليته بالمشية والإبداع لا من شئ فلا مجرى للقاعدة المذكورة عليه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) أقول : أما أن فاعليته لا تكون من رشح وإشراق من نفسه ، فلأنه الولادة منه الملازمة للتغير
بفعله .
* كما ورد عن الإمام الصادق ، عن أبيه الإمام الباقر ، عن أبيه ، عن سيد الشهداء ( عليهم السلام ) ، في
تفسير قوله تعالى : * ( لم يلد ) * قال : " لم يخرج منه شئ كثيف كالولد ، وسائر الأشياء
الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ، ولا شئ لطيف كالنفس ، ولا يتشعب منه البدوات
كالسنة والنوم . . . تعالى أن يخرج منه شئ ، وأن يتولد منه شئ كثيف أو لطيف . . .
مبدع الأشياء وخالقها ومنشئ الأشياء بقدرته " . ( التوحيد : 91 حديث 5 )
* وعن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : " سبحان الله الذي ليس كمثله شئ ، ولا تدركه
الأبصار ، ولا يحيط به علم ، لم يلد لأن الولد يشبه أباه ، ولم يولد فيشبه من كان قبله ،
ولم يكن له من خلقه كفوا أحد ، تعالى عن صفة من سواه علوا كبيرا " . ( بحار الأنوار
3 / 304 حديث 42 ) ، ولا يخفى أن الصدور هو الولادة ، لا غير .
* وعن الإمام أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) أنه قال لابن قرة النصراني : " ما تقول في المسيح " ؟
قال : يا سيدي ! إنه من الله ، فقال : " وما تريد بقولك : من ؟ ! ومن على أربعة أوجه لا خامس
لها ، أتريد بقولك : من ، كالبعض من الكل ، فيكون مبعضا ؟ أو كالخل من الخمر ، فيكون على
سبيل الاستحالة ؟ أو كالولد من الوالد فيكون على سبيل المناكحة ؟ أو كالصنعة من الصانع
فيكون على سبيل المخلوق من الخالق ؟ . . أو عندك وجه آخر ؟ ! فتعرفناه . . " ، فانقطع .
( المناقب 4 / 351 ، بحار الأنوار 10 / 349 حديث 7 )
* وعن الإمام أبي الحسن ( عليه السلام ) : " . . ان كل صانع شئ فمن شئ صنع ، والله الخالق اللطيف
الجليل خلق وصنع لا من شئ " . ( بحار الأنوار 4 / 304 حديث 2 )
* وعن يونس بن عبد الرحمن ، أنه قال : كتبت إلى أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) ، سألته عن آدم هل
كان فيه من جوهرية الرب شئ ؟ !
فكتب إلى جواب كتابي : " ليس صاحب هذه المسألة على شئ من السنة ، زنديق . " .
( بحار الأنوار 3 / 292 حديث 12 )
* وعن يونس بن بهمن قال : قال لي يونس اكتب إلى أبي الحسن ( عليه السلام ) ، فاسأله عن آدم هل
فيه من جوهرية الله شئ ، قال : فكتبت إليه ، فأجاب : " هذه المسألة مسألة رجل على
غير السنة " فقلت ليونس ، فقال : لا يسمع ذا أصحابنا ، فيبرءون منك ، قال : قلت ليونس :
يتبرءون مني أو منك ؟ ! " . ( بحار الأنوار 3 / 292 حديث 11 )
وأما أن فاعليته لا تكون من تطور وتشؤن في نفسه ، فلأنه عين التغير في الذات المنزه عنه
الذات الأزلي .
* كما صرح به أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) بقوله : " لا يتغير الله بانغيار المخلوق كما لا يتحدد
بتحديد المحدود " . ( بحار الأنوار 4 / 229 حديث 3 )
لكون مرجع التطور إلى التغير ولا أقل من كونه من الانقسام الوهمي الذي أشار إليه أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) في معنى الواحد ، حيث قال : " . . لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم " .
( بحار الأنوار 3 / 207 حديث 1 )
وأشار إليه أبو الحسن الرضا ( عليه السلام ) بقوله : " . . ويوحد ولا يبعض . . " . ( بحار الأنوار 3 / 297
حديث 23 )
* وعن أبي جعفر ( عليه السلام ) : " إن الله تبارك وتعالى خلو من خلقه وخلقه خلو منه . . " .
( التوحيد : 105 حديث 4 ، 5 )
. . ولا يخفى أن هذه الطائفة من الأخبار كثيرة ، وهي وردت لإبطال ما يمكن أن يتوهم من أن معنى
خلقه تعالى الخلق هو تنزله تعالى وتطوره بأطوار خلقه .
ثم إن الأخبار المتواترة والآيات المتظافرة تدلان على بطلان القول بصدور الأشياء عن ذاته
تعالى أو تجليه تعالى في ذوات الأشياء .
كقوله ( عليه السلام ) : " . . إن العقل يعرف الخالق من جهة توجب عليه الإقرار ، ولا يعرفه بما يوجب له
الإحاطة بصفته .
فإن قالوا : فكيف يكلف العبد الضعيف معرفته بالعقل اللطيف ولا يحيط به ؟
قيل لهم : إنما كلف العباد من ذلك ما في طاقتهم أن يبلغوه ، وهو أن يوقنوا به ، ويقفوا عند أمره
ونهيه ، ولم يكلفوا الإحاطة بصفته ، كما أن الملك لا يكلف رعيته أن يعلموا أطويل هو أم
قصير ، أبيض هو أم أسمر ، وإنما يكلفهم الإذعان بسلطانه والانتهاء إلى أمره .
ألا ترى أن رجلا لو أتى باب الملك فقال : اعرض علي نفسك حتى أتقصى معرفتك وإلا لم
أسمع لك ، كان قد أحل نفسه العقوبة ، فكذا القائل : إنه لا يقر بالخالق سبحانه حتى يحيط
بكنهه متعرض لسخطه .
فإن قالوا : أوليس قد نصفه ، فنقول : هو العزيز الحكيم الجواد الكريم ؟ قيل لهم : كل هذه
صفات إقرار وليست صفات إحاطة ، فإنا نعلم أنه حكيم ولا نعلم بكنه ذلك منه ، وكذلك
قدير وجواد وسائر صفاته ، كما قد نرى السماء ولا ندري ما جوهرها ، ونرى البحر ولا ندري
أين منتهاه ، بل فوق هذا المثال بما لا نهاية له ، لأن الأمثال كلها تقصر عنه ، ولكنها تقود العقل
إلى معرفته . .
إلى أن قال : . . لا يليق بالذي هو خالق كل شئ إلا أن يكون مباينا لكل شئ متعاليا عن كل
شئ سبحانه وتعالى .
فإن قالوا : كيف يعقل أن يكون مباينا لكل شئ متعاليا ؟
قيل لهم : الحق الذي تطلب معرفته من الأشياء هو الأربعة أوجه :
فأولها : أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود ؟
والثاني : أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره ؟
والثالث : أن يعرف كيف هو وما صفته ؟
والرابع : أن يعلم لما ذا هو ولأية علة ؟
فليس من هذه الوجوه شئ يمكن المخلوق أن يعرفه من الخالق حق معرفته غير أنه موجود
فقط ، فإذا قلنا كيف ؟ وما هو ؟ فممتنع علم كنهه وكمال المعرفة به . . " ( بحار الأنوار 3 / 147 )
* وقوله ( عليه السلام ) : " . . اعلم يا عبد الله ! إن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن
الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب إقرارا بجهل ما جهلوا تفسيره من
الغيب المحجوب ، فقالوا : آمنا به كل من عند ربنا ، وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن
تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه
رسوخا . . " .
بيان : الاقتحام : الهجوم ، والدخول مغالبة . والسدد : جمع السدة ، وهي الباب المغلق .
( التوحيد : 55 ، بحار الأنوار 3 / 257 - 258 و 4 / 277 )
* وقوله ( عليه السلام ) : " الحمد لله الذي أعجز الأوهام أن تنال إلا وجوده ، وحجب العقول عن
أن تتخيل ذاته في امتناعها من الشبه والشكل ، بل هو الذي لم يتفاوت في ذاته ولم
يتبعض بتجزية العدد . . " . ( بحار الأنوار 4 / 221 حديث 1 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . البعيد عن حدس القلوب . . " ( بحار الأنوار 4 / 294 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . فهو بالموضع الذي لا يتناهى ، وبالمكان الذي لم يقع عليه الناعتون ، لا
بإشارة ، ولا عبارة ، هيهات ، هيهات . . " . ( بحار الأنوار 4 / 160 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . وفات لعلوه على الأشياء مواقع رجم المتوهمين . . " . ( بحار الأنوار 4 / 275 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . سبحان من لا يعلم كيف هو إلا هو . . " . ( بحار الأنوار 3 / 301 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . لا يقال له ما هو ؟ لأنه خلق الماهية . . " . ( بحار الأنوار 3 / 297 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . كالغامض لا يدركه أحد . . " . ( بحار الأنوار 3 / 149 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . من نظر في الله كيف هو هلك . . " . ( بحار الأنوار 3 / 264 )
وقوله ( عليه السلام ) : " كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم
مردود إليكم . . " . ( بحار الأنوار 69 / 293 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . محرم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده . . " . ( بحار الأنوار 4 / 222 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . كل معروف بنفسه مصنوع . . " . ( بحار الأنوار 4 / 228 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ليس بإله من عرف بنفسه . . " . ( بحار الأنوار 4 / 253 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ما تصور فهو بخلافه . . " . ( بحار الأنوار 4 / 253 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ما تصور في الأوهام فهو بخلافه . . " . ( بحار الأنوار 4 / 301 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ما توهمتم من شئ فتوهموا الله غيره . . " . ( بحار الأنوار 4 / 40 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . كيف أصف ربي بالكيف والكيف مخلوق ، والله لا يوصف بخلقه . . " .
( بحار الأنوار 3 / 295 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . كل ما قدره عقل أو عرف له مثل فهو محدود . . " . ( بحار الأنوار 4 / 293 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الأفهام عن تستغرقه ، وعن الأذهان
عن تمتثله ، قد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، ونضبت عن الإشارة
إليه بالاكتناه بحار العلوم . . . قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه ، وتحيرت الأوهام
عن إحاطة ذكر أزليته . . " . ( بحار الأنوار 4 / 222 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . وقد ضلت في إدراك كنهه هواجس الأحلام ، لأنه أجل من أن تحده ألباب
البشر بالتفكير . . " . ( بحار الأنوار 4 / 275 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ردعت عظمته العقول فلم تجد مساغا إلى بلوغ غاية ملكوته . . " . ( بحار
الأنوار 4 / 317 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ارتفع عن أن تحوى كنه عظمته فهاهة رويات المتفكرين . . " . ( بحار
الأنوار 4 / 275 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . ليس علم الإنسان بأنه موجود موجب له أن يعلم ما هو ؟ وكيف هو ؟ . . " .
( بحار الأنوار 3 / 148 )
وقوله ( عليه السلام ) : " تكلموا في خلق الله ، ولا تتكلموا في الله ، فإن الكلام في الله لا يزداد صاحبه
إلا تحيرا " . وفي حديث آخر : " تكلموا في كل شئ ، ولا تتكلموا في ذات الله . " . ( الكافي
1 / 92 )
وقوله ( عليه السلام ) : " إياكم والتفكر في الله ، فإن التفكر في الله لا يزيد إلاتيها . " . ( التوحيد :
457 )
وقوله ( عليه السلام ) : " إذا انتهى الكلام إلى الله عز وجل فأمسكوا . " . ( التوحيد : 456 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . فإن كنت صادقا أيها المتكلف لوصف ربك فصف جبرئيل وجنود
الملائكة المقربين مرجحنين متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين ، وإنما يدرك
بالصفات ذوو الهيئات . . " . ( بحار الأنوار 4 / 314 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . الذي سئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض ، بل وصفته بأفعاله ،
ودلت عليه بآياته . . " . ( بحار الأنوار 4 / 265 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . لأنه اللطيف الذي إذا أرادت الأوهام أن تقع عليه في عميقات غيوب
ملكه ، وحاولت الفكر المبرات من خطر الوسواس علم ذاته ، وتولهت القلوب إليه
لتحوي منه مكيفا في صفاته ، وغمضت مداخل العقول من حيث لا تبلغه الصفات
لتنال علم إلهيته ردعت خاسئة تجوب مهاوي سدف الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه ،
رجعت إذ جبهت معترفة بأنه لا ينال بجور الاعتساف منه كنه معرفته . . " . ( بحار
الأنوار 4 / 275 )
وقوله ( عليه السلام ) : " . . لا يخطر ببال أولي الرويات خاطرة من تقرير جلال عزته ، لبعده أن
يكون في قوى المحدودين . . " . ( بحار الأنوار 4 / 275 )
. . وغيرها من الأخبار الكثيرة القطعية الدالة على النهي عن الخوض والتعمق والتكلم
والتفكر في ذاته سبحانه ، وأن البحث عنها موضوع ، بل قد ورد النهي عن المجالسة مع
الخائضين ، لأجل أن الذات المقدسة عندهم ( عليهم السلام ) ممتنع الإدراك بالذات .
أقول : وتدل على بطلانها أيضا الأخبار المتواترة القطعية الدالة على التباين الكلي وعدم
السنخية بينه تعالى وبين خلقه ، كما سنوافيك بها قريبا .
ومع هذه التصريحات عن الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) في امتناع حقيقة الذات المقدسة عن
الإدراك ، لا وجه لما ذهب إليه الفلاسفة والعرفاء من القول بوحدة الوجود و . . إلى القول
بالصدور والرشح والفيضان ، أو القول بالتطور والتشوءن فيه تعالى - لأنه - مضافا إلى لزوم
السنخية بينه سبحانه وبين خلقه - يستلزم الإدراك والاكتناه بذاته تعالى كما لا يخفى .
وأيضا لا وجه لما ذكره بعض المعاصرين في تفسيره - بعد نقله الروايات الناهية عن التفكر في
الله - بقوله : النهي إرشادي متعلق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة . . ! !
( الميزان 19 / 53 )