ومثل هذا التمييز لا يحدث إلا بعد سلسلة من الفتن والمخاوف تنتهي بالعلامات الكونية المرعبة والتي من خلالها يظهر فشل جميع النظريات الموضوعة من قبل الإنسان .
ذلك لأن الحل الشامل مرتبط بطبيعة الإنسان والكون فلو اجتمع الناس وقرروا - بفرض غريب - إقامة دولة عالمية يسودها الإخاء والتكامل على قواعد يضعونها بخلاف الشرع الإلهي وخارج حدود هذا الارتباط فإنهم يستحيل عليهم تحقيق ذلك استحالة تامة .
والسبب في هذا الفشل هو أن التشريع الإلهي جزء من طبيعتهم وتكوينهم ومتناغم مع تكوين العالم وقوانينه في جميع جزئياته ، فإذا أرادوا الخروج عنه كان ذلك بمثابة الخروج عن طبيعتهم وطبيعة الأشياء فكأنهم يريدون تحقيق شيء يرفضون تحقيقه في عين الوقت ، فلذلك فإن أي طرح فكري غير الفكر الإلهي هو هدر للطاقات وتأخير لمسيرة هذا الكائن نحو الهدف المحتوم الذي خلق من أجله . لذلك أكدت النصوص القرآنية على الإسراع والتسابق .
( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) ( آل عمران : 133 ) .
( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) ( الحديد : 21 ) .
وسوف نلاحظ ارتباط إحدى هاتين الآيتين بجنة الطور المهدوي والتي توصل إلى الجنة الأبدية السماوية ولذلك أختلف وصف الجنة في الموردين مثلما اختلفت الأفعال : سارعوا ، سابقوا .
وقد يقال : إن بعض الدول الصناعية المتطورة تمكنت من صنع نموذج اجتماعي يسود فيه العدل وينعم بالرفاه إلى حد ما وفق فكر بشري محض .
طور الاستخلاف ( الطور المهدوي ) — صفحة 159
مساهمون: عالم سبيط النيلي
ص١٥٩