تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
ثم أهوال القيامة والعرض على اللَّه لنقاش الحساب عما قال وفعل ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ) . في يحسب ضمير يعود إلى الإنسان باعتبار بعض أفراده ، والمعنى ان بعض الناس يظن أنه قد بلغ من القوة والمنعة إلى حيث لا يقدر عليه أحد كائنا من كان ، وينسى انه خلق ضعيفا ، يقاسي الأهوال والشدائد ، وانه مكتوم الأجل ، مكنون العلل ، محفوظ العمل ، تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة كما قال الإمام علي ( ع ) . ( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً ) أي كثيرا ، ويدل السياق ان في يقول ضميرا يعود إلى الغني الذي ينفق أمواله للشهرة وحسن الأحدوثة ، ويمسك عن الإنفاق في سبيل اللَّه والخير ، والمعنى إذا قيل لهذا المبذر : لما ذا لا تنفق في سبيل اللَّه ؟ قال : انا أنفق الكثير حتى أوشك مالي على النفاد والهلاك ، ولكني لا أنفقه في السبيل التي تدعونني إليها ( أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ) . أيظن هذا المفتون بالشهرة والظهور ان اللَّه غافل عنه وعن أعماله وأهدافه . وفي الحديث : يسأل المرء غدا عن جسمه فيم أبلاه ؟ وعن عمره فيم أفناه ؟ وعن ماله مم اكتسبه ؟ وفيم أنفقه ؟ ( أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ولِساناً وشَفَتَيْنِ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) . جاء في تفسير الرازي : ان الذي قال : « أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً » قال أيضا بلسان المقال أو الحال : من الذي يحاسبني على مالي أمسكته أو أنفقته ؟ . فأجابه سبحانه : يحاسبك الذي جعل لك هذه الأعضاء . . وهذا قريب جدا إلى واقع الحال ، ومهما يكن فإن العينين إشارة إلى نعمة الرؤية والبصر ، واللسان إلى نعمة الكلام والبيان ، والهداية إلى نعمة العقل والإدراك ، والمراد بالنجدين طريقا الخير والشر ، وبالعقل يحذر الإنسان من هذا ، ويسلك ذاك ، وفي نهج البلاغة : « كفاك من عقلك انه أوضح لك سبيل غيك من رشدك » . ويتفرع على هذا الإيضاح ان الإنسان مسؤول عن أقواله وأفعاله ، وان للَّه الحجة عليه إذا أساء حيث وهبه القدرة والإدراك وأمره ونهاه . ومثله « إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وإِمَّا كَفُوراً » - 3 الإنسان . ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ) . صيغة ما أدراك تستعمل للتفخيم والتعظيم ، واقتحم الشيء دخل فيه بشدة ، والعقبة في اللغة الطريق الصعب في الجبل ، والمراد بها هنا الأعمال الصالحة لأنها تحتاج إلى جهد وجهاد ، وصبر على