تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
منه يعود على اللَّه سبحانه والمجرور متعلق بمحذوف صفة للجميع . ويغفروا مجزوم بجواب أمر محذوف أي قل لهم : اغفروا يغفروا . فلنفسه متعلق بمحذوف خبرا لمبتدأ محذوف أي فنفع صلاحه عائد لنفسه . فعليها أيضا خبر لمبتدأ محذوف أي فضرر إساءته عائد عليها . المعنى : ( وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً ) . بعد ان وضع سبحانه أمام العقل الدلائل الحسية المفيدة للجزم واليقين بوجوده تعالى ، وقال : من لم يؤمن بها فلن يؤمن بأي دليل غيرها - بعد هذا هدد وتوعد من لا يتدبر هذه الدلائل ، وينتفع بها ، وأسماه بالأفاك الأثيم ، وتوعده بالعذاب الأليم ، ووصفه بمعاندة الحق وتجاهله تعاليا وتعاظما ، وانه لم يكتف بذلك حتى سخر منه واستهزأ به . . . ولا فرق في يوم الحساب بين هذا الكافر الساخر من الحق وأهله ، وبين من آمن به قولا لا فعلا ، وبالنظر لا بالعمل ، قال تعالى : « ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهُمْ لا يَسْمَعُونَ » - 21 الأنفال أي لا يقبلون ولا يعملون . وقال الإمام علي ( ع ) : البصير من سمع فتفكر ، ونظر فأبصر ، وانتفع بالعبر . ( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ ولا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً ولا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) . أولئك إشارة إلى كل أفاك أثيم ، والمراد بما كسبوا ، أموالهم وأولادهم وجاههم . وبما اتخذوا ، أصنامهم وأوثانهم ، والمعنى ان الذين استكبروا على الحق وسخروا منه مصيرهم إلى جهنم يصلونها وبئس المهاد ، ولا ينجيهم من عذابها صنم ولا ولد ولا جاه ولا مال ( هذا هُدىً ) . هذا إشارة إلى القرآن ، وما من شك انه هدى لمن ائتم به ، وقوة لمن اعتمد عليه ( والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ) . المراد بالآيات هنا الدلائل الكونية على وجود اللَّه وعظمته ، والعذاب والرجز والأليم كلمات مترادفة أو متقاربة المعنى ، والغرض من التكرار تأكيد العذاب اللائق بالأفاك الأثيم الذي يستعلي على الحق ويسخر منه .
التفسير الكاشف — صفحة 21 | محمد جواد مغنية