الكذب ، وأعظم الكذب شرا الكذب على اللَّه ورسوله « وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ » من اللَّه على لسان رسله . . وهكذا أرباب المصالح والمنافع في كل مكان وزمان يكذّبون الصدق ويصدّقون الكذب لأن مصالحهم تقوم على الزور والباطل ، ومما قرأته في هذا الباب : ان من أعظم الكذب أن يقول الكاذب : اللَّه يعلم أني لصادق « أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ » بلى ، انها مثوى ومأوى لهم ولكل طاغ وباغ .
« والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ » . رسول اللَّه ( ص ) جاء بالصدق من عند اللَّه ، والمسلمون صدقوا ما جاء به ، وهم عند اللَّه من الأبرار إذا اتقوه في محارمه ، وإلا فإن التصديق بلا عمل لا يجديهم عند اللَّه نفعا « لَهُمْ ما يَشاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ » أي المتقين محارم اللَّه لأن الحديث عنهم ، ولم يحدد سبحانه في هذه الآية جزاءهم بشيء معين ، بل ترك الخيار لمشيئتهم .
« لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ » . ان اللَّه يغفر الذنوب جميعا كبيرها وصغيرها لمن تاب وآمن وعمل صالحا ، ويجزي سبحانه العاملين بطاعته والشاكرين لنعمته بأحسن من طاعتهم وشكرهم « أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ » . المراد بعبده محمد ( ص ) ، وهو سبحانه كافيه شر من يريد به الشر ، والمراد بالذين من دونه الأصنام لأن ضمير دون يعود إليه تعالى . وقال جماعة من المفسرين : ان رسول اللَّه ( ص ) لما ذكر الأصنام بسوء قالت قريش : لئن لم ينته محمد عن ذكر آلهتنا لنسلطنها عليه ، فتصيبه بخبل أو تعتريه بسوء . . فأنزل اللَّه سبحانه هذه الآية . . وليس هذا ببعيد عن عقول أهل السفه والجهل . وليس من شك ان اللَّه كاف عبده ورسوله .
« ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ومَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ » . قلنا عند تفسير الآية 23 من هذه السورة وغيرها من الآيات : ان اللَّه يضل من سلك مسلك الضلال بسوء اختياره ، ويهدي من اختار الهداية لنفسه وسلك بها سبيلها « أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ » ممن كفر وظلم بمشيئته وبعد إلقاء الحجة عليه ؟
التفسير الكاشف — صفحة 416
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٤١٦