تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
وصوره ليس على وجه الحقيقة ، وانما أراد به تخويف الناس وردعهم عن الجرائم . ولو أن هذا المجيب رجع إلى القرآن الكريم لوجد ان اللَّه سبحانه قد سبق في علمه ان الكثير من عباده سوف يمر بخاطرهم هذا السؤال فأجاب عنه سلفا ، وبيّن الحقيقة في العديد من آياته ، منها ما ذكره هنا بعد ذكر القيود وسرابيل القطران بلا فاصل ، وهو قوله : ( لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهً سَرِيعُ الْحِسابِ ) . ومنها « هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ - 146 الأعراف » . وقوله : « لا يظلمون فتيلا . . وما ربك بظلام للعبيد » . ومنها : « ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وهُمْ لا يُظْلَمُونَ - 160 الأنعام » : « والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها - 27 يونس » . ومنها : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ - 194 البقرة » . ومعنى هذه الآيات بمجموعها ان الجرائم والسيئات على أنواع : منها الصغيرة الحقيرة ، ومنها الكبيرة الخطيرة ، وانه تعالى قد أعد لكل جريمة عقوبتها على أساس الحق والعدل ، لا تزيد ، وقد تخفف حسبما تستدعيه حكمته البالغة ، وقوله تعالى : ( فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ) صريح في ذلك ، بل وحصر أيضا . أجل ، هنا سؤال ينبغي أن يسأله كل عاقل ، وهو : من الذي يستحق هذا النوع من العذاب الشديد الأليم ؟ . وهل هناك جريمة تستوجب كل هذا النكال العظيم الدائم الذي له أول وليس له آخر ، كما قال تعالى : « لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها - 36 فاطر » . الجواب : نعم ، ان في الناس مجرمين يستحقون هذا النوع من العذاب الأليم وأكثر منه أيضا . . ومن هؤلاء الذين يحاربون الحق أو يكتمونه وهم يعلمون ، سواء أكان هذا الحق للَّه أم للناس . . وأعظم منهم جرما تجار الحروب الذين أعدوا لسفك الدماء وتدمير الحياة الأسلحة الجهنمية ، كالقنابل الذرية والهيدر وجينية والمواد السامة التي تقتل المئات بل والملايين في دقائق معدودات . ان أية عقوبة يعاقب بها السفاحون فهي دون ما يستحقون . . وليست السلاسل والأصفاد وسرابيل النيران بشيء في جانب تدمير البلاد وتشريد العباد وتشويههم وتقتيلهم بمئات الألوف . . ثم هل الشرر المتطاير من جهنم أسوأ أثرا من القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما مع العلم بأن نسبتها من حيث الأثر إلى ما يملكه السفاحون الآن من القنابل كنسبة