تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
الخير والشر ، ونهاه عن هذا ، وأمره بذاك ، فأطاعه من أطاع ، وعصاه من عصى ، ثم مضى كل إلى حفرته ، دون ان يثاب المطيع ويعاقب العاصي ، بل إن كثيرا من العصاة طغوا وبغوا ، وملأوا الأرض ظلما وجورا ، ولم يحاسبهم محاسب ، ويسألهم سائل ، فإن افترض انه لا بعث ولا حساب غدا فمعنى هذا ان الظالم والمظلوم ، والمؤمن والكافر عند اللَّه سواء ، بل الكافر به خير وأفضل عنده من المؤمن ، والطاغية المفسد أكرم على اللَّه ممن استشهد في سبيل مرضاته . . ولا شك في أن هذا يتنافى مع عدل اللَّه وحكمته وقدرته ، بل ومع وجوده . . تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرا . . وقد رأينا كثيرا من المظلومين يصرخون من الأعماق قائلين : لو كان اللَّه موجودا لما أبقى طاغية على وجه الأرض . . وليس هذا القول الا انعكاسا عن غريزة الايمان بوجود عادل قادر يقتص للمظلوم من الظالم ، ولكنهم تعجلوا القصاص لحرقة الألم ، وذهلوا عن فطرتهم التي فطرهم اللَّه ( 1 ) فقالوا ما قالوا . كتبت في اثبات البعث والحساب والجزاء مؤلفات ومقالات وعند تفسير الآيات المتصلة بذلك ، وتعيدني إليه الآن الآية التي أفسرها ، وقد أوحت إليّ بأن أقوى الأدلة على ثبوت البعث قوله تعالى : « الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهً سَرِيعُ الْحِسابِ - 17 غافر » . وهي بمعنى الآية التي نفسرها ، ولكنها أوضح . . انها تحمل برهانها معها ، وتدل على نفسها بنفسها . . اليوم تجزى كل نفس بما كسبت . ولما ذا ؟ لأنه لا ظلم عند اللَّه ، بل هو سريع الحساب . والتحليل العقلي لهذه القضية انه لولا هذا اليوم الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت لكان اللَّه ظالما ، ووجوده نقمة ، وتكليفه عبثا . . سبحانه وتعالى عما يصفون . . والنتيجة الحتمية لهذا المنطق ان كل من أنكر البعث والحساب والجزاء فقد أنكر وجود اللَّه من حيث يريد أو لا يريد .
هامش
( 1 ) . انظر تفسير الآية 41 من الأنعام ، فقرة « اللَّه والفطرة » .