تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » . قدمنا ان شعيبا دعا المترفين الكافرين إلى المسالمة والتعايش مع الذين أمنوا به ، وان يترك الخيار لمن يشاء أن يدخل في الدين الذي يشاء . . ولكن المترفين رفضوا دعوته ، وخيروه بين أمرين لا ثالث لهما : اما أن يخرج هو ومن آمن معه من بلدهم ، واما أن يعود الذين آمنوا به إلى الكفر ، ويعود هو إلى موقفه السابق - قبل النبوة - لا مؤيد لدينهم ولا مفند ، وبكلمة ان قولهم : « أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا » معناه أن يرجع الوضع الذي كان قبل النبوة إلى ما كان . « قالَ أَولَوْ كُنَّا كارِهِينَ » ؟ . هذا هو منطق المنصف المخلص ، لا يحمل أحدا على ما يكره ، ولا يحب أن يحمله أحد على ما لا يريد ، ثم هل يكون الإيمان بالإكراه ؟ . وهل المؤمن حقا يؤثر الإقامة في الوطن على دينه وعقيدته ؟ . « قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها » . طلب المشركون من شعيب ( ع ) أن يرتد عن الإيمان إلى الشرك ، فقال لهم : ان الارتداد افتراء على اللَّه ، وعاقبة الافتراء عليه تعالى وبال وعذاب ، وقد أنجانا اللَّه منه ، فكيف نفتري عليه ؟ . . اما ان الارتداد افتراء على اللَّه فواضح ، لأن معناه ان الشرك باللَّه خير وأبقى من الإيمان بوحدانيته « وما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا » . ضمير فيها يعود إلى ملة الكفر والشرك ، والتعليق هنا على مشيئة اللَّه تعليق على المحال ، لأن اللَّه لا يشاء الكفر والشرك ، فهو تماما كقوله تعالى : ولا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ . « وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » تقدم نظيره في الآية 80 من سورة الأنعام . « عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا » . ومن توكل عليه لا يخشى التهديد والوعيد ، لأنه على علم اليقين بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع . « رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ » . بعد أن يئس شعيب منهم وتأكد من إصرارهم على الكفر التجأ إلى اللَّه ، وتضرع إليه أن يحكم ويفصل بينه وبين من كفر من قومه ، لأنه تعالى هو مصدر القوة والعدل .