تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
وتسأل : ان ظاهر الآية يشعر بأن الشر من اللَّه ، لأن عذاب جهنم شر ، وقد أراده اللَّه لهم ؟ الجواب : أجل ، ان اللَّه أراد لهم العذاب ، ولكن بعد ان استحقوه ، لأنه تعالى أمرهم بالإيمان ، ونهاهم عن الكفر ، وترك لهم الخيار ، فاختاروا الكفر على الإيمان ، ومعنى هذا ان المشركين والمنافقين هم الذين أوجدوا سبب العذاب ، وبعد أن أوجدوه مختارين أراد اللَّه لهم العذاب ، تماما كالقاضي يريد السجن للمجرم بعد أن يرتكب الجريمة . ( إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهً شَيْئاً ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) . ولفظ اشتروا يشعر بالاختيار ، لأن المشتري يختار السلعة ، ويرضى بها بديلا عن الثمن ، والكافر رضي بالكفر بديلا عن الايمان ، فاستحق العذاب الأليم . وتسأل : لقد كرر سبحانه ( لَنْ يَضُرُّوا اللَّهً شَيْئاً ) في آيتين لا فاصل بينهما ، فما هو السر ؟ . الجواب : المراد بالآية الأولى كفار قريش الذين جهزوا الجيوش لحرب الرسول ( ص ) ومن كان يؤازرهم من المنافقين ، والمراد بالآية الثانية كل من كفر من الأولين والآخرين محاربا كان أو غير محارب ، وعليه يكون ذكر الآية الثانية من باب ذكر العام بعد ذكر الخاص ، وهو كثير في كلام العرب ، يقولون : فلان قامر بأمواله ، فأهلك نفسه . وكل من يفعل فعله فهو من الهالكين . ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) . ان عمر الإنسان كثروته ، ان أحسن التصرف بها ، وأنفقها على نفسه وأهله والمعوزين من عباد اللَّه وعياله عادت عليه بالخيرات والحسنات ، وكلما زادت ثروته تضاعف إنفاقه في الطاعة ، وتضاعفت بذلك حسناته ، وان أساء التصرف بها ، وأنفقها في المعصية عادت عليه بالسيئات ، وكلما نمت وربت ثروته ازداد عتوا وفسادا . وهكذا العمر ، يبلغ الإنسان به السعادة ان أحسن العمل . . ويكون سببا لشقائه ان أساء . . وهذه سنة إلهية واجتماعية في آن واحد . . وكل السنن المألوفة المعروفة طبيعية كانت أو اجتماعية فهي سنة اللَّه في خلقه .
التفسير الكاشف — صفحة 210 | محمد جواد مغنية