تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
خالق الكون جلت كلمته يخاطب عباده تارة بأسلوب التهديد والوعيد ، ويقول لهم : « إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ - 65 المؤمنون » . وتارة يقول لهم برفق : « أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - 22 النور » . وبالجملة ان إعلان الدعوة الإسلامية على الملأ ، وتآمر المسلمين فيما بينهم بالمعروف ، وتناهيهم عن المنكر ، ان هذا ركيزة من ركائز الإسلام ، ومن ثم يحتم وجود فئة معينة تقوم بهذه المهمة ، تماما كما يحتم وجود سلطة تحافظ على الأمن والنظام ، وفئة تختص بالصناعة ، وأخرى بالزراعة ، وما إلى ذاك مما لا تتم الحياة إلا به . وهذا الأصل من الأصول الأساسية لكل دين ، ولكل مذهب ، وكل مبدأ ، ولو كان زمنيا ، لأنه الوسيلة المجدية لبث الدعوة وانتصارها ، وردع أعدائها . . ولا شيء أدل على ذلك من اهتمام أصحاب المذاهب السياسية والاقتصادية بوسائل الاعلام ، وتطورها ، وبذل الملايين في سبيلها ، ومن وقوف الدعاية بشتى أساليبها مع المدفع جنبا إلى جنب ، وما ذاك إلا لأنهم أدركوا بتجاربهم ان الرأي العام أمضى سلاحا ، وأقوى أثرا من الصواريخ والقنابل ، وقد اشتهر عن أحد أقطاب الحلفاء بعد انتصارهم في الحرب العالمية أنه قال : « لقد انتصرنا في المعركة بقنابل من ورق » . يعني الصحف والنشرات ( 1 ) . وتسأل : كيف تجمع بين قوله تعالى : « ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ » وبين قوله سبحانه : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ - 105 المائدة » ، حيث أفادت الأولى وجوب الأمر بالمعروف ، ودلت الثانية على عدم وجوبه بقرينة ( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) .
هامش
( 1 ) جاء في تفسير المنار ان الشيخ محمد عبده كان في الدرس يفسر هذه الآية : « ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ » الخ . . . ومما قال : ان على كل إنسان أن يأمر بالمعروف حسب استطاعته ، وضرب مثلا بالطائفة الشيعية ، فإنهم ملتزمون بهذا المبدأ ، ولا يدعونه بحال ، متى سنحت الفرصة ، واستشهد على ذلك بأنه حين كان ببيروت احتاج إلى مرضعة ترضع بنتا له ، فجيء بامرأة شيعية ، فأخذت تدعو نساء الشيخ إلى مذهبها .