تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2813

مساهمون:

ص٢٨١٣
والروح : هو جبريل عليه السّلام في رأي الأكثرين ، لقول الله عز وجل : نَزَلَ بِه الرُّوحُ الأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [ الشعراء : 26 / 193 - 194 ] . والآية دليل على أن الملائكة وجبريل عليهم السّلام أعظم المخلوقات قدرا ومكانة ، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته . وعطف الملائكة على جبريل : عطف عام لا خاص . وذلك اليوم يوم القيامة هو اليوم الحق ، أي الثابت الوقوع ، المتحقق الذي لا ريب فيه ، فمن أراد النجاة ، اتخذ إلى ثواب ربه مرجعا وطريقا يهتدي إليه ، ويقرّبه منه ، ويدنيه من كرامته ، ويباعده من عقابه ، بالإيمان الحق والعمل الصالح . ثم هدّد الله تعالى الكافرين ، وحذّرهم وخوّفهم من ذلك اليوم يوم القيامة مرة أخرى . إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار ، حذرناكم وخوفناكم عذابا قريب الوقوع ، وهو في يوم القيامة ، فإنه لتأكد وقوعه ، صار قريبا ، ولأن كل ما هو آت قريب ، وفي هذا اليوم القريب الوقوع ، ينظر كل امرئ ما قدم من خير أو شر في حياته الأولى في الدنيا ، ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب ، كأبي بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبي جهل ، وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي : ليتني كنت ترابا كالحيوانات ، لم أخلق ، فهو يتمنى أن لم يكن إنسانا موجودا أولا ، ولا مبعوثا ثانيا أو مرة أخرى . وإنما تصير الحيوانات ترابا بعد الاقتصاص من بعضها لبعض . وهاتان الآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين : فريق المؤمنين المقربين من ثواب الله وكرامته ورضاه ، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة الله ، الواقعين في صنوف العذاب . فأي الفريقين أهدى سبيلا ، وأرشد طريقا ، وأسلم عاقبة ، وأحسن قدوة ؟ ! لو سئل صبي عاقل دون البلوغ عن الفرق لأجاب ، ولما وسعه إلا اتباع أهل الإيمان والنجاة .
التفسير الوسيط — صفحة 2813 | وهبة الزحيلي