إنا بعثنا بعثة دعوة نوحا بن لامك عليه السّلام أول رسول أرسله اللَّه إلى قومه ، وقلنا له : أنذر قومك بأس اللَّه وعذابه ، قبل أن يجيئهم عذاب شديد الألم ، وهو عذاب النار ، أو الإغراق بالطوفان ، فإن تابوا ورجعوا ، رفع عنهم .
قال نوح : يا قومي ، إني لكم منذر من عذاب اللَّه ومخوف إياكم ، واضح الإنذار والاعلام . ومضمون دعوتي : أني آمركم بعبادة اللَّه وحده لا شريك له ، وأن تؤدّوا حقوقه ، وتمتثلوا أوامره ، وتجتنبوا نواهيه التي توقعكم في العذاب ، وتطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه . والتقوى : امتثال الأوامر ، واجتناب المحرّمات .
وثمره التكاليف أمران : أنه تعالى يستر لكم بعض ذنوبكم ، ويمدّ في أعماركم ، ويؤخر موتكم إلى أمد محدد قدره اللَّه لكم ، إن آمنتم وأطعتم . وقوله : * ( مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) * من للتبعيض ، وهذا وعد كريم على الطاعة والعبادة بشيئين : دفع مضارّ الآخرة وهو غفران الذنوب ، وتحقيق منافع الدنيا ، وهو تأخير الأجل إلى وقت آخر . ولا يعني هذا خلافا للمعتزلة من وجود أجلين للإنسان ، وإنما المراد أنه قد سبق في الأزل ، أنهم إما ممن قضي له بالإيمان والتأخير ، وإما ممن قضي له بالكفر والمعاجلة ، بدليل قوله : * ( إِنَّ أَجَلَ اللَّه إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ ) * أي ما قدره لكم إذا جاء ، وأنتم كافرون ، لا يؤخر بل يقع حتما .
قال نوح بعد أن طال عمره ، وتحقّق اليأس من قومه : يا ربّ إني دعوت قومي إلى ما أمرتني به ، بأن أدعوهم إلى الإيمان بوجودك ووحدانيتك ، دعاء متواصلا دائما في الليل والنهار ، من غير تقصير ، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك ، فلم يزدهم دعائي إلى اللَّه الذات الأقدس إلا فرارا مما دعوتهم إليه ، وبعدا عنه . وقوله : * ( لَيْلًا ونَهاراً ) * :
عبارة عن استمرار دعائه ، وأنه لم يتوان فيه قط .
وكلما دعوتهم إلى سبب المغفرة ، وهو الإيمان بالله والطاعة له ، سدّوا آذانهم
التفسير الوسيط — صفحة 2743
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٧٤٣