كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 1 ) ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَه ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَه ( 29 ) خُذُوه فَغُلُّوه ( 2 ) ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه ( 3 ) ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها ( 4 ) سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوه ( 32 ) إِنَّه كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّه الْعَظِيمِ ( 33 ) ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فَلَيْسَ لَه الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ ( 5 ) ( 35 ) ولا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ( 6 ) ( 36 ) لا يَأْكُلُه إِلَّا الْخاطِؤُنَ ( 7 ) ( 37 ) [ الحاقّة : 69 / 25 - 37 ] . المعنى : أما الشّقي الذي أعطي كتابه بشماله أو من وراء ظهره ، فيقول حزنا وكربا لما رأى من سوء عمله وعقيدته : يا ليتني لم أعط كتابي . ولم أعلم شيئا عن حسابي ، لأن كله وبال علي ، ليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت القاطعة نهاية الحياة ، ولم أبعث بعدها ، أي ليتها لم يكن بعدها رجوع ولا حياة ، فهو يتمنى دوام الموت وعدم البعث ، لما شاهد من سوء عمله ، وما يجابهه في الآخرة من العذاب . جمعت الآيات بين مقابلة العذاب النفسي بتمنّي عدم تلقّي الكتاب ، وبين الشعور بالعذاب الجسدي ، حين تمنّي الموت ، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه ، كما قال قتادة . ويضيف الكافر قائلا : ما أفادني مالي شيئا ، ولم يدفع عني شيئا من عذاب اللَّه تعالى ، وذهب منصبي وجاهي وملكي وحجتي ، والسلطان : هو الحجة ، على الراجح ، فلم يدفع عني العذاب . قال ابن عطية : والظاهر عندي أن سلطان كل أحد : هو حاله في الدنيا من عدد وعدد ، ومنه الحديث : « لا يؤمنّ الرجل في سلطانه ، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه » ( 8 ) . هؤلاء الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم : هم المخلَّدون في النار ، أهل الكفر ، فيتمنون
التفسير الوسيط — صفحة 2727
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٧٢٧
هامش
( 1 ) القاطعة لحياتي ، فلم أبعث ، إشارة إلى موته في الدنيا .
( 2 ) شدّوه في الأغلال .
( 3 ) أدخلوه في نار جهنم .
( 4 ) مبلغ كيلها أو طولها سبعون ذراعا ، المراد أنها طويلة ، وهي ذراع الملك .
( 5 ) صديق .
( 6 ) ما يسيل من صديد أهل جهنم .
( 7 ) الآثمون .
( 8 ) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجة ، وأحمد في مسنده ، عن أبي مسعود الأنصاري البدري رضي اللَّه عنه .