أي جعلها مذلولة سهلة ، لينة ، قابلة للاستقرار والحياة عليها ، فسيروا في نواحيها وجوانبها ، وكلوا مما رزقكم اللَّه وخلقه لكم في الأرض ، ومكّنكم من الانتفاع بها ، وإليه النشور ، أي البعث من قبوركم إلى اللَّه ، لا إلى غيره . والآية دليل على قدرة اللَّه ومزيد إنعامه على خلقه ، وعلى أن السّعي واتّخاذ الأسباب لا ينافي التوكّل على اللَّه ، وعلى أن الاتّجار والتّكسب مندوب إليه . أخرج الحكيم الترمذي عن معاوية بن قرّة قال : مرّ عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه بقوم ، فقال : من أنتم ؟ فقالوا : المتوكّلون ، قال : بل أنتم المتأكلون ، إنما المتوكّل رجل ألقى حبّه في بطن الأرض ، وتوكّل على اللَّه عزّ وجلّ .
أتأمنون أن يخسف ، أي يغوّر ويقلع اللَّه بكم الأرض ؟ كما خسف بقارون ، بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون أو تسعون في جوانبها وطرقها ، فإذا هي تضطرب وتتحرك بشدة . والمراد بهذا الاستفهام الوعيد والإخبار بقدرة اللَّه على تعذيب من كفر بالله أو أشرك مع اللَّه إلها آخر .
بل هل أمنتم ربّكم اللَّه الذي هو في السماء كما تزعمون ، وهل أمنتم قدرة اللَّه على أن يرسل عليكم ريحا شديدة مصحوبة بالحصى أو الحجارة الصغيرة ؟ وحينئذ إذا عاينتم العذاب تعلمون كيف كان إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به .
ولقد كذب الكفار الذين كانوا قبلهم ، كذبوا الرّسل ، فكيف كان إنكاري عليهم بما سلَّطت عليهم من العذاب الشديد ؟ ! أو لم ينظروا إلى الطير فوقهم في الأجواء العليا ، وهنّ باسطات أجنحتها تارة ، وقابضات لها تارة أخرى ؟ ما يمسكهنّ في الهواء إلا اللَّه الرّحمن القادر على كل شيء ، إنه تعالى عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته ، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها .
التفسير الوسيط — صفحة 2701
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٧٠١