تبعث ولا تعاد ، وهم مع ذلك معترفون بأن اللَّه تعالى خلق السماوات والأرض ، فأقيمت عليهم الحجة من أقوالهم .
والرؤية في قوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا ) * رؤية القلب ، أي أولم يتفكر القرشيون المنكرون للبعث ، ويعلموا أن الذي خلق الكون من السماوات والأرض في ابتداء الخلق ، ولم يعجز عن ذلك ولم يضعف عن الخلق ، بل قال لها : كوني فكانت ، بقادر على أن يحيي الموتى من قبورهم مرة أخرى ؟ ! بلى ( جواب بعد النفي المتقدم ) أي بل إن اللَّه قادر على ذلك كله ، إنه سبحانه وتعالى قادر على أي شيء أراد خلقه ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .
وبعد لفت النظر هذا ، جاء وعيد الكفار من قريش وسواهم ، واذكر أيها الرسول لقومك يوم يعذّب الكافرون بالله في نار جهنم ، ويعرضون مباشرة عليها ، ويقال لهم توبيخا وتقريعا : أليس هذا العذاب الذي تعذّبونه حقا وعدلا وواقعا لا شك فيه ، وقد كنتم تكذبون به ؟ فيجيبون : بلى وربنا ، فذلك تصديق حيث لا ينفع . قال الحسن البصري : إنهم ليعذّبون في النار ، وهم راضون بذلك لأنفسهم ، فيعترفون أنه العدل ، فيقول لهم المحاور من الملائكة عند ذلك : * ( فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ) * أي يقال لهم على سبيل الإهانة والتوبيخ : ذوقوا عذاب النار ، بسبب كفركم به في الدنيا وإنكاركم له .
والداعية الناجح : هو الذي لم يترك سبيلا للإصلاح والإرشاد إلا سلكه ، وتدرّع بالصبر ، ولم يغضب ولم يضجر ، لذا أمر اللَّه نبيه بأن يصبر على تكذيب قومه ، قائلا :
فاصبر يا محمد على تكذيب قومك كصبر أولي الجد والعزيمة من الرسل ، وأنت منهم ، وهم أصحاب الشرائع الكبرى : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلوات اللَّه وسلامه عليهم ، ولا تستعجل يا محمد لهم العذاب ، فإنه واقع بهم حتما .
التفسير الوسيط — صفحة 2427
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٤٢٧