أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْه واسْتَغْفِرُوه ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 ) [ فصلت : 41 / 1 - 8 ] .
افتتحت السورة بالحروف المقطعة : * ( حم ) * ( 1 ) للتنبيه ولفت النظر لما يعرض فيها ، وتحدي العرب بإعجاز القرآن المتكون من الحروف العربية الأبجدية أو الهجائية ، وتقترن هذه الحروف عادة بالكلام عن القرآن ، للدلالة على الصلة بينه وبين مكوناته العربية ، وذكر هنا أن القرآن الكريم منزل من اللَّه تعالى المتصف بالرحمة الواسعة والدقيقة ، فقوله تعالى : * ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * صفتا رجاء ورحمة لله تعالى .
وهذا الكتاب فصلت آياته ، أي بيّنت بيانا كافيا ، وفسّرت معانيه ، وتميز حلاله وحرامه ، وزجره وأمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وأنزله اللَّه كتابا مقروءا باللغة العربية ، موضحا لقوم يعلمون أن القرآن منزل من عند اللَّه ، ويعلمون معانيه لنزوله بلغتهم ، ويعلمون الأشياء ، ويعقلون الدلائل ويتأملون بنظر ثاقب بمشتملاته .
وهذا القرآن الذي أنزله اللَّه يبشر المؤمنين بالجنة لاتباعهم له ، وينذر الكافرين بالنار لمخالفتهم أحكامه ، ولكن أكثر الكافرين أعرضوا عما اشتمل عليه ، من الإنذارات والبشائر ، لأسباب ثلاثة وهي :
- إنهم قالوا : قلوبنا في أغطية تحجز ما بيننا وبينه ، وفي آذاننا صمم ، أو ثقل سمع يمنعها من استماعه ، ومن بيننا وبينك ساتر يستر عنا رؤيتك ، ويمنعنا من إجابتك ودعوتك ، فالحجاب : هو مخالفة النبي إياهم ، ودعوته إلى اللَّه تعالى دون أصنامهم ، هذه الحواجز الثلاثة تمنعنا من قبول دعوة النبي ، فاعمل على دينك وطريقتك ، إننا عاملون على ديننا وطريقتنا ، ولا نتبعك . فقوله تعالى : * ( فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ) * يحتمل أن يكون القول تهديدا ، ويحتمل أن يكون متاركة محضة . ثم أمر اللَّه نبيه أن يصدع أو
التفسير الوسيط — صفحة 2292
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٢٩٢