تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1757

مساهمون:

ص١٧٥٧
والثاني : يقتضي حالها في الدنيا من أنها في غاية الضلال والغمّة التي مثالها تناهي الظلمة في قوله سبحانه : * ( أَوْ كَظُلُماتٍ ) * . أما حال أعمال الكفار في الآخرة وهو المثل الأول ، فإن أعمالهم الصالحة شبيهة بسراب يراه الإنسان العطشان من بعيد في فلاة من الأرض ، فيحسبه ماء ، فيأتيه ، فلا يجد ما رجاه . والقيعة : هي المنبسط من الأرض ، أو جمع قاع ، وهكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعة لهم في الآخرة ، منجّية من عذاب الله ، فإذا جاء يوم القيامة ، وقوبلوا بالعذاب ، فوجئوا بأن أعمالهم الصالحة مثل صلة الرحم والإحسان إلى الفقراء ونحو ذلك لم تنفعهم ، وإنما يجدون زبانية جهنم تأخذهم وتسوقهم إليها سوقا عنيفا ، فهم يجدون عذاب الله الذي توعد به الكافرين ينتظرهم ، والله سريع الجزاء على العمل السيئ في الدنيا ، وهو الكفر بالله ، وعصيان أوامر الله ، والانغماس في المنكرات . وقوله تعالى : * ( حَتَّى إِذا جاءَه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً ) * يراد به : شيئا نافعا في العطش ، أو شيئا موجودا ، على العموم ، أي فكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، وقوله سبحانه : * ( ووَجَدَ اللَّه عِنْدَه ) * مجاز ، وعنده عائد على العمل . وفي ذلك توعد وبيان لسرعة الحساب . والمراد : أن الكفار سوف يصطدمون بالخيبة والخسارة في الآخرة ، فلا يجدون ما ينفعهم ولا ما ينجيهم . وأما المثل الثاني : وهو حال الكفار وأعمالهم في الدنيا : فهو أن مثل أو صفة أعمالهم التي يعملونها في الدنيا ، مثل ظلمات ثلاث متراكمة ، في بحر عميق بعضها فوق بعض ، وهي ظلمة البحر ، وظلمة الموج ، وظلمة السحاب ، أي إنهم من الضلال في العقيدة ونحوه في مثل هذه الظلمة المجتمعة من هذه الأشياء ، وهم في الواقع في ظلمات ثلاث : ظلمة الاعتقاد الباطل ، وظلمة القول الساقط ، وظلمة العمل الفاسد .