تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1756

مساهمون:

ص١٧٥٦

الذين لا ينتفعون بنور الله تعالى

في كثير من الأحيان يعتمد الأسلوب القرآني عقد موازنة أو مقارنة بين المتقابلات ، ليتبين الخير وأهله ومصيرهم ، والشر وأهله وعاقبتهم ، فبعد أن ذكر الله تعالى أحوال المؤمنين وحالة الإيمان ، وتنوير قلوبهم بنور القرآن ، ذكر الله الكفرة وأعمالهم في الدنيا والآخرة ، فحال أعمالهم في الآخرة غير نافعة ولا مجدية ، وحالها في الدنيا أنها في غاية الضلال والغمّة ، مثل حالة تناهي الظلمة وحيرة المترددين فيها ، وهذه عاقبة وخيمة ، لا يرتضيها عاقل لنفسه ، وصف الله سبحانه أحوال الكفار بقوله :

[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 39 إلى 40 ]

والَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ( 1 ) يَحْسَبُه الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَه لَمْ يَجِدْه شَيْئاً ووَجَدَ اللَّه عِنْدَه فَوَفَّاه حِسابَه واللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ( 39 ) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ( 2 ) يَغْشاه ( 3 ) مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه مَوْجٌ مِنْ فَوْقِه سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَراها ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَه نُوراً فَما لَه مِنْ نُورٍ ( 40 ) [ النور : 24 / 39 - 40 ] . نزلت الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية ، قد كان تعبّد في الجاهلية ، ولبس المسوح ، والتمس الدّين ، فلما جاء الإسلام كفر . أو إنها نزلت في شيبة بن ربيعة ، وكلاهما مات كافرا . هذه حالة الكافرين الجاحدين : ضلال وحيرة واضطراب في الدنيا ، وخسارة شديدة في الآخرة ، ولهم تمثيلان كما ذكر ابن عطية : الأول منهما : يقتضي حال أعمالهم في الآخرة من أنها غير مجدية ولا نافعة .

هامش
( 1 ) السراب : ما ترقرق من الهواء في شدة الحر في فيافي الأرض المنبسطة ، وأوهم الناظر إليه من بعيد أنه ماء . سمي بذلك لأنه ينسرب كالماء ، فكذلك أعمال الكافر ، والقيعة : جمع قاع ، كجار وجيرة . والقاع المنخفض من الأرض .
( 2 ) عميق كثير الماء .
( 3 ) يغطَّيه .