تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1705

مساهمون:

ص١٧٠٥

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 71 إلى 74 ]

ولَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ ( 1 ) مُعْرِضُونَ ( 71 ) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ( 2 ) فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 72 ) وإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 73 ) وإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 3 ) ( 74 ) [ المؤمنون : 23 / 71 - 74 ] . الحق : هو الشيء الثابت والصواب الدائم ، المقابل للباطل ، فهو ذو حقيقة ناصعة ، لا يتغير ولا يتذبذب ، ويتفق مع الواقع والصدق ، فلو ساير الحق أهواء الناس ، لا نقلب باطلا ، ولذهب ما يقوم به العالم . وعليه ، فإن الحق لا يتبع الهوى ، بل الواجب على الإنسان ترك الهوى ، واتباع الحق ، فإن اتباع الأهواء يؤدي إلى الفساد الشديد ، والمراد : لو جاء القرآن مؤيدا الشرك بالله والوثنية ، مبيحا الظلم مقرا النهب والسلب والفواحش ، مهملا الأخلاق والفضائل ، لاختل نظام العالم ، وشاع الفساد والدمار ، وتخلفت المدنية ، وبادت الحضارة . بل إن القرآن العظيم جاء العرب والإنسانية بما يعظهم ويهذب طبائعهم ويبين لهم طريق الخير من الشر ، غير أن الناس أعرضوا عن هذا البيان الشافي . ثم إن النبي محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان في غاية الإخلاص لدعوته ، ولم يكن لديه أطماع في مال أو جاه أو زعامة أو متعة شخصية ، فلم يطلب من قومه أجرا ورزقا على تبليغ الرسالة ، والإرشاد إلى قانون الهداية ، حتى لا ينفر أحد من دعوته ، أو يتكأ في الإيمان برسالته ، والمراد أن العرب وغير العرب ليسوا معذورين في ترك الاستجابة لرسالة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، التي هي محض الخير والصلاح والاستقامة ورفع مستوى الحياة وإعزاز الأمة .

هامش
( 1 ) أي بوعظهم والبيان لهم .
( 2 ) أي أجرا ورزقا . قال الأصمعي : الخرج : الجعل مرة واحدة . والخراج : ما تردد لأوقات ما . وهذا في الاستعمال ، أما في اللغة فهما بمعنى واحد .
( 3 ) أي عادلون عن طريق الرشاد .