تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1596

مساهمون:

ص١٥٩٦
لقد استغل إبراهيم عليه السلام موضع الحجة حينما قالوا : إن الأصنام لا تنطق ، فكلمهم موبخا على عبادتهم تماثيل لا تنفع بذاتها ولا تضر ، ثم حقّر شأنها ، وأزرى بها حين قال : * ( أُفٍّ لَكُمْ ) * . وهذه لفظة تقال عند المستقذرات من الأشياء ، فيستعار ذلك للمكروه من المعاني ، كهذا وغيره . ولما تفوق إبراهيم عليه السلام بحجته الدامغة على قومه ، وظهر الحق ، وبان زيف الباطل ، لجؤوا إلى الإيذاء والإضرار ، والتخلص من إبراهيم جسديا ، فقال بعضهم لبعض ، والقائل هو نمروذ بن كنعان ، أو رجل من أتباعه : احرقوا إبراهيم بالنار ، وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها حقا ، فجمعوا حطبا كثيرا ، ورموا إبراهيم من أعلى منجنيق ، بعد أن شدّ برباط ، ووضع في كفة المنجنيق ، ثم ألقي في النار . ولكن الله غالب على أمره ، وقاهر كل شيء ، وحافظ رسوله ونبيه ، فحماه وعصمه من أذى النار ، وسلب تأثير النار فيه ، وقال : * ( يا نارُ كُونِي بَرْداً وسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ) * أي كوني بردا غير ضار ، فكانت النار وسطا لا حامية ولا باردة ، ولو قال : « كوني بردا » فقط ، ولم يقل : « وسلاما » لكان بردها أشد عليه من حرها . وبرودتها حدثت بنزع الله عنها طبعها من الحر والإحراق ، بعد أن احترق الحبل الذي ربط به إبراهيم فقط ، وبقيت إضاءة النار وإشراقتها واشتعالها كما كانت ، والله على كل شيء قدير . قال بعض العلماء : إن الله تعالى لو لم يقل : « وسلاما » لهلك إبراهيم من برد النار . روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن إبراهيم لما ألقوه في النار ، قال : « حسبي الله ونعم الوكيل » وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا ( أي المشركون ) : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وقالُوا حَسْبُنَا اللَّه ونِعْمَ الْوَكِيلُ ) * [ آل عمران : 3 / 173 ] .