تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1591

مساهمون:

ص١٥٩١
لقد آتينا إبراهيم رشده ، أي النبوة فما دونها ، حيث قال لأبيه وقومه : ما هذه التماثيل ، أي الأصنام التي كانت على صورة إنسان ، والتي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها ؟ وفي هذا القول تنبيه إلى ضرورة التأمل في شأنها ، وأنها لا تغني عنهم شيئا ، لكنهم لم يفعلوا ، وأصروا على تقليد أسلافهم قائلين : لا حجة لنا سوى تقليد الآباء واتباع الأسلاف ، لقد رأيناهم عابدين لها ، عاكفين على عبادتها وتعظيمها . وهذا تقليد لا يعتمد على منطق صحيح ولا فكر سليم . قال إبراهيم مجيبا على هذا التقليد : لا فرق بينكم وبين آبائكم ، فأنتم وهم في ضلال مبين واضح ، والضلال : الانحراف والضياع ، والوقوع في متاهة وخطأ . فتعجبوا من قوله ، وقالوا : ما هذا الكلام الصادر عنك ، أتقوله لاعبا هازلا ، أم محقا جادّا فيه ، فإنا لم نسمع به قبلك ؟ فأجابهم إبراهيم رافضا الأصنام : إني جادّ في كلامي ، لا هازل ، وإن الرب الحقيقي المستحق للعبادة هو مالك السماوات والأرض ، ومدبرها ، وخالقها على غير مثال سابق ، وأنا أشهد شهادة واثق مطمئن أنه لا إله غيره ، ولا ربّ سواه . ووالله لأجتهدن في تكسير أصنامكم ، وفي تحطيمها وإزالتها ، بعد أن تذهبوا إلى عيدكم خارج البلد ، منطلقين ذاهبين . روي أنه حضرهم عيد لهم ، فعزم قوم منهم على حضور إبراهيم عليه السلام معهم ، طمعا منهم أن يستحسن شيئا من أخبارهم ، فمشى معهم ، فلما كان في الطريق عزم على التخلف عنهم ، وقال لهم : إني سقيم ، فمرّ به جمهورهم ، ثم قال في خلوة من نفسه : * ( وتَاللَّه لأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ) * فسمعه قوم من ضعفتهم ، ممن كان يسير في آخر الناس . ثم انصرف إبراهيم عليه السلام إلى بيت أصنامهم وحده ، فدخل ومعه قدوم ، فوجد الأصنام واقفة ، بترتيب ، الأكبر منها فالأصغر ، وقد وضعوا أطعمتهم في