- وإما أن يروا العذاب عيانا مواجهة ومقابلة .
والمعنى : إن المشركين والكفرة لا يقدمون على الإيمان عادة إلا عند نزول عذاب الاستئصال ، فيهلكوا ، أو أن تتواصل أنواع العذاب والبلاء حال بقائهم في الحياة الدنيا . ومجئ العذاب من عند الله لا من عند الرسل قادة الإصلاح .
ومهام الرسل عليهم السلام : التبشير والإنذار ، تبشير من آمن برسالاتهم بثواب الطاعة وهو الجنة وعزها ، وإنذار من كذب وخالف بعقاب المعصية وذلَّها ، فربما يغريهم الثواب بالهداية ، وربما يرهبهم العذاب ، فيبادروا إلى الإيمان طوعا واختيارا .
وعلى الرغم من البيان الإلهي الكافي وإرشاد الرسل ، يصدر من الكفار الجدال بالباطل ، والبعد عن الحق ، ليحاولوا طمس معالم الحق وإبعاد الناس عنه ، فتراهم مثلا يقترحون الآيات بعد ظهور المعجزات ، ويقولون للرسل : إن أنتم إلا بشر مثلنا ، لا مزية لكم علينا ، ولا فضل يؤهلكم للمتابعة والقيادة .
ويزداد موقفهم عنادا وشططا ، فهم يهزؤون بالرسل وأتباعهم المؤمنين ، ويتخذون آيات الله والحجج والبراهين وخوارق العادات ( أي المعجزات ) التي بعث بها الرسل ، وإنذارات الرسل ، وتخويفهم من العذاب الشديد في الآخرة ، يتخذون كل ذلك استهزاء وسخرية ، وهو أشد الكذب ، وكل ذلك يدل على استيلاء الجهل والقسوة ، والاستبداد والغلظة ، وهذا ليس من صفات أهل الرشد والحكمة ، ولا هو من منهاج أحد من أهل العلم والمعرفة ، أو عقلاء البشر وإن لم يكونوا علماء .
وقوله تعالى : * ( واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُواً ) * توعد . والهزو أو الهزء : السخر والاستخفاف .
إن هذه الآية تأسّف على هؤلاء المعاندين ، وتنبيه على فساد حالهم ، فهم يعتقدون أنهم مصيبون ، لكنهم في الحقيقة مخطئون ، فكان حالهم يقتضي التأسف عليهم ، وهذا
التفسير الوسيط — صفحة 1437
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤٣٧