ويكون المقصود من الآية عقد مقارنة بين الزائل والدائم ، أما الزائل فلا قرار له ، وأما الدائم فهو الثابت بنحو مستمر ، والاستمرار إنما يكون ببقاء الأثر ، والعمل الصالح الشامل للأقوال والأفعال الطيبة المرضية لله تعالى : هو الذي يحقق دوام الأثر ، وفضيلة الثواب ، وزهرة الآمال اليانعة التي يحلم بها الإنسان ، وتحقق له دوام السعادة ، ومتعة الحياة ، والجمال الذي لا يزول ، والفضل الإلهي الشامل ، وجنة الخلد اليانعة ، التي غراسها : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر .
مشاهد القيامة الحاسمة
مهما تعرض الإنسان للأحداث والمحن الدنيوية ، فإنها تكون هينة صغيرة أمام أحداث القيامة الرهيبة ، لأن أحداث الدنيا يعقبها دائما أو غالبا انفراج وزوال للكروب ، أما أحداث الآخرة ، فهي حاسمة شاملة لا أمل فيها بالتغير ولا الانفراج أو احتمال الزوال ، لذا تكاد النفس أو الروح تنخلع من الجسد ، ويشتد الضيق والألم ، حينما يشاهد المرء ما يتعرض له الكون من تدمير وخراب ، ويتسلم صحيفة عمله التي هي بمثابة الحكم القضائي المبرم الذي يتلقاه المتهم في محاكم الدنيا ، ثم يزجّ به في غياهب السجون ، لتنفيذ مقتضى ذلك الحكم . قال الله تعالى واصفا هذه المشاهد المفزعة والمخيفة :
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 47 إلى 49 ]
ويَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وتَرَى الأَرْضَ بارِزَةً ( 1 ) وحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ( 47 ) وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ( 2 ) ( 48 ) ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ( 3 ) مِمَّا فِيه ويَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ( 4 ) ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ
هامش
( 1 ) ظاهرة .
( 2 ) وقتا لإنجاز الوعد بالبعث .
( 3 ) خائفين .
( 4 ) يا هلاكنا .