فأجابهم الله تعالى ردّا للحجة : قل لهم يا محمد ، إني بشر ، لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا من دون الله ، ولا أنا إلا في قبضة سلطانه وفي مظلة الحاجة إلى لطفه وتوجيهه ، إلا ما شاء الله أن يقدرني ويخبرني ، فإذا كنت هكذا ، فأحرى ألا أعرف غيبه ، ولا أتعاطى شيئا من أمره ، ولكن لكل أمة أجل ، انفرد الله تبارك وتعالى بعلم حدّه ووقّته ، فإذا جاء ذلك الأجل في موت أو هلاك أمة ، لم يتأخّروا ساعة ، ولا أمكنهم التقديم عن حدّ الله عزّ وجلّ . إن تعيين وقت الوعيد وإنزال العذاب مرجعه إلى الله تعالى وحده . وأما الرسول فمهمته مقصورة على تبليغ ما جاء من عند الله سبحانه . وهذا يبين الحدّ الفاصل بين سلطان الله ونطاق معرفة البشر وخبرتهم .
ثم أجابهم الله تعالى بجواب آخر : * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُه بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْه الْمُجْرِمُونَ ) * أي قل لهم أيها الرّسول : أخبروني عن حالكم وما يمكنكم أن تفعلوه ، إن أتاكم عذابه ليلا وقت مبيتكم ، أو نهارا وقت شغلكم ، فما ذا تستعجلون منه ، وأنتم لا قبل لكم به ؟ أي عذاب وقع فهو شديد ، وكل ما تطلبون تعجيله هو جهل وحماقة .
أتنظرون مجيء هذا العذاب لتؤمنوا بالله ربّكم ؟ فإذا وقع بالفعل آمنتم به ، في وقت لا ينفع الإيمان ، ويقال لكم حينئذ توبيخا : آلآن آمنتم بالله والرّسول اضطرارا وقسرا ، مع أنكم كنتم قبل ذلك تستعجلون العذاب على سبيل السخرية والاستهزاء والتكذيب والاستكبار ؟ ! والمراد أنه إذا وقع العذاب وآمنتم بالله ، فذلك غير نافعكم .
ثم يجيء الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخصّ وهو ظلم الكفر ، لا ظلم المعصية . فيقال لأولئك الكفار المعاندين الظالمين أنفسهم ، المكذبين الرسول ووعيده :
تذوقوا وتجرعوا عذاب الله الدائم لكم أبدا ، لا تجزون إلا ما كنتم تكسبون وتعملون
التفسير الوسيط — صفحة 979
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٩٧٩