والبعث : تحريك الشيء الساكن ، وهذا الاستفهام منهم على جهة الاستبعاد للمحال بزعمهم ، فرد الله تعالى عليهم فيما استبعدوه من البعث ، والرد مأخوذ مما اعترفوا به ، فهم لا ينكرون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ومن فيهما من البشر وغيرهم ، فكيف يصح لهم أن يقروا بخلق الله لكل هذه الأشياء ، ثم ينكرون إعادة بعضها ؟ إن الله قادر على البعث بدليل خلقه السماوات والأرض .
ألا يرون في قلوبهم أن الله الذي أوجد السماوات والأرض من العدم ، على غير مثال سابق ، قادر على أن يخلق أمثالهم ، ويعيد أبدانهم ، وينشئهم نشأة أخرى ، كما بدأهم ، فقدرته على إعادتهم أسهل من ذلك ، كما قال سبحانه : لَخَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 40 / 57 ] .
ألا يرون رؤية القلب أيضا أن الله جعل للبشر أجلا محتوما لا شك فيه ، وذلك الأجل إما يوم القيامة ، وهو الأجل العام ، وإما أجل الموت وهو الأجل الخاص بكل نفس مخلوقة ، والتقدير بالأجل فيه بيان قدرة الله عز وجل وملكه لخلقه ، فمن قدّر الآجال وجعل للمخلوقات نهاية حتمية ، كان هو القادر على إحياء الموتى ، وإيقاع البعث من جديد ، حين يشاء ، لا إله إلا هو ، وعلى الرغم من بيان هذا الواقع ، أبى الكافرون الظالمون أنفسهم إلا كفورا ، أي تماديا في الباطل والضلال ، وجحود الثابت الصحيح ، وإنكار البعث .
وسبب عدم إجابة المشركين لمقترحاتهم من إيجاد القصور والجنات وعيون الأنهار :
هو الشح والبخل المتمكن في نفوسهم ، لذا قل لهم أيها النبي : لو أنكم ملكتم التصرف في خزائن أرزاق الله ، لبقيتم على الشح والبخل ، ولأمسكتم عن الإنفاق ، وهو الفقر ، وكان الإنسان قتورا ، أي بخيلا منوعا ممسكا ، فلو أنهم ملكوا مفاتيح
التفسير الوسيط — صفحة 1391
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٣٩١