تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1308

مساهمون:

ص١٣٠٨

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 110 إلى 111 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ( 1 ) ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) [ النحل : 16 / 110 - 111 ] . بعد أن أبان القرآن الكريم في الآيات السابقة الجزاء المستحق للمشركين المفترين الكاذبين ، وللمرتدين عن الإسلام ، فتح باب التوبة والأمل أمام فئة المعذّبين المستضعفين بمكة ، من بعد ما فتنهم المشركون أو الشيطان ، فوافقوا عتاة الشرك الظلمة ، فيما أرادوا منهم من النطق بالكفر ، والرجوع عن الإسلام ثم تمكنوا من الخلاص ، بالهجرة إلى المدينة المنورة ، تاركين بلادهم وأهليهم ، ابتغاء رضوان الله وغفرانه ، وانتظموا في سلك المؤمنين ، وجاهدوا في الله حق جهاده في صف الإيمان ، ضد جند الكفر وأعوان الشيطان ، وصبروا على الأذى والبأس والشدة في المعارك ، فأخبر الله تعالى أنه من بعد تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة ، لغفور لهم ، رحيم بهم يوم المعاد . والله دائما يقبل توبة التائبين ، ويعفو عن المقصرين ، ويرحم المسترحمين والضعفاء الأذلين . ويكون المقصد من الآية : أن من يفتن في دينه ، فيتكلم بكلمة الكفر مكرها أو مضطهدا ، وصدره غير منشرح للكفر ، إذا صلح عمله ، وجاهد في سبيل الله ، وصبر على المكاره ، فالله غفور له ، رحيم به . وعبر الله تعالى عن هذه الفئة بكلمة : ( ثم ) لبيان بعد مرتبة هؤلاء الذين فتنوا في دينهم ، وجاهدوا وصبروا ، عن مرتبة المفتونين في الدين ، ولم يصبروا ، ولم يجاهدوا . ثم نبّه الله على ما يتعرض له كل إنسان مؤمن أو كافر يوم القيامة من محاولة الدفاع عن نفسه ، والجدال : وهو الاعتذار عن أموره وأقواله وأفعاله ، إنه اليوم الذي تأتي فيه كل نفس تجادل عن نفسها أو ذاتها ، كل يقول : نفسي نفسي ، كما جاء في آية

هامش
( 1 ) اختبروا وعذبوا لإسلامهم .