إنذار وكتاب إلهي ، فقال سبحانه : * ( وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) ) * أي لا تستبطئن هلاكهم ، فليس من قرية أهلكت إلا بعد قيام الحجة عليهم ، وإبلاغهم طريق الرّشد والحق ، ولم يكن الهلاك إلا بأجل مقرر محدود ، وكتاب واضح الشرائع والأحكام ، وإنذار سابق بالعذاب ، حتى تترك الفرصة لهم بالعدول عن عصيانهم ، ومبادرتهم إلى سلوك جادة الاستقامة .
والمقصود بالآيات : أنه لو شاء الله ، لعجّل العذاب للكفار المستكبرين ، ولكن اقتضت حكمته إمهالهم لعلهم يتوبوا ، فإن لكل أمّة أجلا معيّنا ، لا تأخير فيه ولا تقديم ، والله تعالى يمهل ولا يهمل .
وهذا تنبيه وتحذير شديد لأهل مكة وأمثالهم ، وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشّرك والعناد والإلحاد الذي يستحقّون به الهلاك ، كما قال ابن كثير .
وأما الناس اليوم وربما في المستقبل ، على الرغم من تقدم العقل البشري ونضجه ، واكتشاف آفاق العلوم والمعارف الكونية ، فإنهم فيما يتعلَّق بالدين ما يزالون متأثّرين بالتقاليد الموروثة ، وبالبيئات المعايشة ، وبما يوجّههم إليه رجال الدين وسدنة الإرث القديم . ولكن التّمسك بالتقليد وإهمال دور العقل مرفوض في ميزان الحق والمسؤولية والحساب الإلهي في الدنيا والآخرة .
الرّد على مطاعن المشركين بالنّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم
على الرغم من أن انتقادات المشركين وهم كفار قريش حول القرآن والرسول واهية ساقطة وسخيفة ، فإنها كانت خطيرة تستوجب الإبطال والرّدع والتّوبيخ ، لأنها لا تستند إلى منطق صحيح ، ولا لحجة مقبولة ، فضلا عن أنها تصادم الآداب والأعراف والواقع المشاهد ، فهم يتّهمون النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالجنون والسفاهة ، ويطالبون