لذا اقترنت هذه الحروف غالبا بالكلام عن القرآن : لتلازم الأمرين معا ، فأخبر سبحانه أن آيات القرآن الكريم في هذه السورة وغيرها ، هي آيات الكتاب الكامل في كل شيء ، وآيات البيان الفصيح المعجز ، مما يدلّ على أن القرآن المبين هو الكتاب الجامع للكمال ، والغرابة في البيان ، كما قال الزمخشري رحمه الله .
ولكنّ الكفار والمشركين سيندمون حتما يوم القيامة على ترك الإيمان بالقرآن ، وعلى ما كانوا عليه في الدنيا من كفر وضلال ، ويتمنّون لو كانوا في الدنيا مسلمين مؤمنين ، كما في آية أخرى : ولَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) [ الأنعام : 6 / 27 ] .
فعند دخول الكفار النار ، ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنّة ، يودّون لو كانوا مسلمين ، فينجون النجاء الذي مانعة أن لم يكونوا مسلمين . فإن النجاة في الآخرة بالإيمان والإسلام وحده دون غيره .
وإذا كان هذا حال الكفار ، فهم بأشد الحاجة إلى التذكير والتنبيه ، فكان مناسبا إيراد الوعيد والتهديد ، فقال الله تعالى : * ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ) * أي اترك يا محمد الكفار في ملاهيهم وتمتّعهم باللذات في دنياهم ، يأكلون كما تأكل الأنعام ، وتلهيهم الآمال عن التوبة والإنابة ، أو عن الآخرة ، وأجل الموت ، فسوف يعلمون عاقبة أعمالهم وأمرهم ، ثم ختمت الآية بوعيد ثان ، وهو قوله تعالى : * ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) * قال بعض العلماء كما ذكر الطبري : الوعيد الأول في الدنيا ، والثاني في الآخرة ، فكيف تطيب حياة بين هذين الوعيدين ؟ ! ومعنى قوله تعالى : * ( ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ ) * أي يشغلهم أملهم في الدنيا ، والتزيد فيها عن النظر والإيمان بالله ورسوله .
ثم جاء البيان الإلهي العظيم ، والاعلام بأنه لا عقاب قبل بيان ، ولا عذاب قبل
التفسير الوسيط — صفحة 1211
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٢١١