تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1187

مساهمون:

ص١١٨٧

اشْتَدَّتْ بِه الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ( 1 ) لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) [ إبراهيم : 14 / 13 - 18 ] . حينما انهزم أهل الضّلال في النّقاش والحجاج العقلي أمام رسلهم ، لجؤوا إلى التهديد والوعيد والإيذاء بالقول والفعل ، وتوعّد الرّسل إما بالطَّرد والإبعاد من بلادهم ، وإما بالعودة إلى الوثنية الملَّة الموروثة عن الآباء والأجداد ، فأوحى الله لرسله قائلا لهم : لنهلكنّ الظالمين المشركين ، ولنسكننكم أنتم وذرّيتكم أرضهم وديارهم من بعد هلاكهم ، عقوبة لهم على تهديداتهم ، ذلك الإعلان للحكم الموحى به بإهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم ، لمن خاف موقفه بين يدي ربّه ، وهاب وعيده بالعذاب والعقاب . ثم أبان الله تعالى بقوله : * ( واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) ) * أي إن الرّسل سألوا إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب الكفرة ، فأجابهم ربّهم لما طلبوا ، ولم ينجح كل جبّار ، أي متعظم في نفسه ، لا يرى لأحد عليه حقّا ، معاند للحق ، منحرف عنه ، فهو عنيد ، أي يعاند ولا ينقاد للحق ، ولا ينصاع لنداء الله بالإيمان . وكان أمام هذا الجبار العنيد جهنم بانتظاره ، بعد حذره وتحفظه ، ويسقى في النار من ماء صديد ، أي مما يسيل من أجساد أهل النار من قيح ودم ، فهو ليس بماء في الحقيقة ، وإنما ماؤه هذا الصديد المتغير الذي يخرج من الجوف . يتحسّاه جرعة بعد جرعة ، ولا يكاد يبتلعه ، لكراهته ، وسوء طعمه ولونه وريحه ، مما يدل على التّألم حين ابتلاعه ، كما جاء في آية أخرى : وسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [ محمد : 47 / 15 ] . ويروى أن الكافر يؤتى بالشربة من شراب أهل النار ، فيتكرهها ، فإذا أدنيت منه ، شوت وجهه ، وسقطت فيها فروة رأسه ، فإذا شربها قطَّعت أمعاءه .

هامش
( 1 ) شديد الهبوب .