تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشافعية الكبرى — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم وقالوا الباري تعالى عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا نهاية لها فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير تعرض لتفصيل الآحاد مع نفي النهاية فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقريرات غير متناهية في العلم والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال الكلام عليها فإنها متباينة الجواهر وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء انتهى كلامه في البرهان والذي أراه لنفسي ولمن أحبه الاقتصار على اعتقاد أن علم الله تعالى محيط بالكليات والجزئيات جليلها وحقيرها وتكفير من يخالف في واحد من الفصلين واعتقاد أن هذا الإمام بريء من المخالفة في واحد منهما بدليل تصريحه في كتبه الكلامية بذلك وأن أحدا من الأشاعرة لم ينقل هذا عنه مع تتبعهم لكلامه ومع أن تلامذته وتصانيفه ملأت الدنيا ولم يعرف أن أحدا عزا ذلك إليه وهذا برهان قاطع على كذب من تفرد بنقل ذلك عنه فإنه لو كان صحيحا لتوفرت الدواعي على نقله ثم إذا عرض هذا الكلام نقول هذا مشكل نضرب عنه صفحا مع اعتقاد أن ما فهم منه من أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات ليس بصحيح ولكن هناك معنى غير ذلك لسنا مكلفين بالبحث عنه وإذا دفعنا إلى هذا الزمان الذي شمخت الجهال فيه بأنوفها وأرادوا الضعة من قدر هذا الإمام وأشاعوا أن هذا الكلام منه دال على أن العلم القديم لا يحيط بالجزئيات أحوجنا ذلك إلى الدفاع عنه وبيان سوء فهمهم واندفعنا في تقرير كلامه وإيضاح معناه فنقول مقصود الإمام بهذا الكلام الفرق بين إمكان الشيء في نفسه وهو كونه ليس بمستحيل وعبر عنه بالجواز المحكوم به ومثل له بجواز تحرك جسم ساكن وبين الإمكان الذهني وهو الشك والتوقف وعدم العلم بالشيء وإن كان الشيء في نفسه مستحيلا وعبر عنه بالجواز بمعنى التردد ومثل له بالشك في تناهي الأجناس وعدم