وأما عند الخصم فلأنه يشترط أن يكون النبي ذكرا ونحن لا نخالفه في ذلك بل نشترط الذكورة في الإمامة والقضاء فضلا عن النبوة هكذا ذكر بعض أئمتنا فقال القاضي لم يقم عندي من أدلة السمع في أمر مريم وجه قاطع في نفى نبوتها أو إثباتها
فإن قلت لم لا يجوز أن تكون معجزة لزكريا أو يكون إرهاصا لولدها عيسى عليهم السلام
قلت لأن المعجزة تجب أن تكون بمشهد من الرسول والقوم حتى يقيم الدلالة عليهم وما حكيناه من كراماتها نحو قول جبريل لها : * ( وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) * لم يكن بحضور أحد بدليل قوله : * ( فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما ) * وأيضا فالمعجزة تكون بالتماس الرسول وزكريا ما كان يعلم بحصول ذلك لقوله : * ( أنى لك هذا ) *
وأيضا فهذه الخوارق إنما ذكرت لتعظيم شأن مريم فيمتنع وقوعها كرامة لغيرها
ولا يجوز أن تكون إرهاصا لعيسى عليه السلام لأن الإرهاص أن يختص الرسول قبل رسالته بالكرامات فأما ما يحصل به كرامة الغير لأجل أنه سيجئ بعد ذلك فذلك هو الكرامة التي يدعيها ولأنه لو جاز ذلك لجاز في كل معجزة ظهرت على يد مدعى الرسالة أن تكون إرهاصا لنبي آخر يجئ بعد ذلك وتجويز هذا يؤدى إلى سد باب الاستدلال بالمعجزة على النبوة
وقريب من قصة مريم قصة أم موسى عليه السلام وما كان من إلهام الله تعالى إياها حتى طابت نفسها بإلقاء ولدها في اليم إلى غير ذلك مما خصت به أفترى ذلك سدى
قال إمام الحرمين ولم يصر أحد من أهل التواريخ ونقلة الأقاصيص إلى أنها كانت نبية صاحبة معجزة
طبقات الشافعية الكبرى — صفحة 335
مساهمون: عبد الوهاب بن علي السبكي
ص٣٣٥