عظمة الشيخ الإمام رحمه الله أن عامة تصانيفه اللطاف في مسائل نادرة الوقوع مولدة الاستخراج لم يسبق فيها للسابقين كلام وإن تكلم في آية أو حديث أو مسألة سبق إلى الكلام فيها اقتصر على ذكر ما عنده مما استخرجته فكرته السليمة ووقعت عليه أعماله القويمة غير جامع كلمات السابقين كحاطب ليل يحب التشبع بما لم يعط حظه من التصانيف جمع كلام من مضى فإن ترقت رتبته وتعالت همته لخص ذلك الكلام وإن ضم إلى التلخيص أدنى بحث أو استدراك فذاك عند أهل الزمان الحبر المقدم والفارس المبجل وعندنا أنه منحاز عن مراتب العلماء البزل والأذكياء المهرة إنما الحبر من يملي عليه قلبه ودماغه وتبرز التحقيقات التي تشهد الفطر السليمة بأنها في أقصى غايات النظر مشحونة باستحضار مقالات العلماء مشارا فيها إلى ما يستند الكلام إليه من أدلة المنقول والمعقول يرمز إلى ذلك رمز الفارغ منه الذي هو عنده مقرر واضح لا تفيده إعادته إلا السآمة والملالة ولا يعيده إعادة الحاشد الجماعة الولاج الخراج المحب أن يحمد بما لم يفعل
ولنعد إلى غرضنا فأقول لقد وقعت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدا عثر عليها
أحدها قوله تعالى « وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا » فتأمله وتقريره أن الاتخاذ افتعال من أخذ أو من وخذ أو من تخذ أقوال ثلاثة للتصريفيين أرجحها أولها وعليه فهل أبدلت تاء أو واوا قولان
والحاصل أن الأخذ التناول والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكا أي فعلوا تركه وهذا واضح على جعل اتخذ في الآية متعديا إلى اثنين ثانيهما مهجورا وهو الواقع فيها ولا يجوز أن يكون متعديا إلى واحد لئلا يختل المعنى
طبقات الشافعية الكبرى — صفحة 100
مساهمون: عبد الوهاب بن علي السبكي
ص١٠٠