وبين هذا والفتوى عن تقصير في البحث - التي يكون صاحبها مصداقاً للفتوى بغير علم ، سواء كان عن استحسان أو قياس باطل ، أو غير ذلك مما لا يصح الاعتماد عليه - بون شاسع .
فإن كانت هذه وظيفة العالم فليست وظيفة غيره بأقل أهمية في السعي وبذل الجهد لتمييز ومعرفة العالم الذي يجب تقليده واتباعه والرجوع إليه في مسائل الحلال والحرام ، وإن التقصير في معرفة من يجب الرجوع إليه مما لا يعذر صاحبه - إلا بناء على القول بالتصويب ( 322 ) وهو باطل بالضرورة - فضلا عما هو ثابت في الفقه وبالسيرة من الرجوع إلى الأعلم بعد وجود القابلية والأهلية ، فإن العقلاء تسالموا في أمورهم الخطيرة على الرجوع إلى أهل الخبرة في حوائجهم ولا يعذرون أحدا ممن يستعمل الدواء المؤدي لهلاكه إذا كان عن استحسان من عنده دون الرجوع إلى أهل الاختصاص في ذلك .
ولا يعذرون من بنى بيتا فوقع على أصحابه إذا لم يستعن بأهل الخبرة في بنائه وهكذا . . فإن هذه من البديهيات التي لا تحتاج إلى بيان ، وإنما استشهدنا بها لننبه على أهمية البحث عمن يجب الرجوع إليه من العلماء ،
هامش
( 322 ) فالتصويب : هو القول بأن رأي المجتهد مصيب مطلقاً كما عليه ( جمهور أهل السنة على اختلاف في بعض التفاصيل ) وبعض المصوِّبة تعدى عن هذا الحد إلى القول بأن الأحكام الإلهية إنما تجعل على طبق رأي المجتهد ، وهذا يعني أن لا أحكام في الواقع إلا ما أدَّى إليه رأيه .