وقوله - تعالى - : * ( الأَخِلَّاءُ ) * جمع خليل بمعنى صديق . وسمى الأصدقاء أخلاء ، لأن المودة التي بينهم تخللت قلوبهم واختلطت بنفوسهم .
أي : الأصدقاء في الدنيا ، يصير بعضهم لبعض يوم القيامة أعداء ، لأنهم كانوا يجتمعون على الشرور والآثام في الدنيا ، وكانوا يتواصون بالبقاء على الكفر والفسوق والعصيان فلما جاء يوم القيامة ، وانكشفت الحقائق . . انقلبت صداقتهم إلى عداوة .
* ( إِلَّا الْمُتَّقِينَ ) * فإن صداقتهم في الدنيا تنفعهم في الآخرة ، لأنهم أقاموها على الإيمان والعمل الصالح والطاعة للَّه رب العالمين .
فالآية الكريمة إنذار للكافرين الذين كانت صداقاتهم في الدنيا تقوم على محاربة الحق ، ومناصرة الباطل . . . وبشارة عظيمة للمتقين الذين بنوا صداقتهم في الدنيا على طاعة اللَّه - تعالى - ونصرة دينه ، والعمل بشريعته .
ثم بشر اللَّه - تعالى - عباده بجملة من البشارات الكريمة ، فقال - تعالى - : * ( يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ولا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ . ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) * .
والخوف معناه : توقع ما يخشاه ويغتم له الإنسان في المستقبل . والحزن معناه : غم يلحق الإنسان من أجل شيء مضى .
وقوله : * ( تُحْبَرُونَ ) * أي : تفرحون وتسرون سرورا عظيما يظهر حباره - بفتح الحاء وكسرها - أي : أثره الحسن على وجوهكم وأفئدتكم ، فهو من الحبر - بفتح الحاء والباء - بمعنى الأثر . ويصح أن يكون من الحبر - بسكون الباء - بمعنى الزينة وحسن الهيئة .
وبهذا ترى الآيات الكريمة قد نفت عنهم الخوف والحزن ، وفتحت لهم أبواب الجنة ، وأعلمتهم بأنهم سيكونون هم وأزواجهم في سرور دائم .
أي : يقول اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين يوم القيامة : يا عباد الذين شرفتكم بالإضافة إلى ذاتي ، لا خوف عليكم اليوم من أمر المستقبل ، ولا أنتم تحزنون على أمر مضى .
وقوله : * ( الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ) * في محل نصب ، صفة لقوله « يا عباد » أي : يا عباد الذين آمنوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق نبينا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وكانوا في
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 98
مساهمون: سيد محمد طنطاوي
ص٩٨