تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
آيات أخرى ، منها قوله تعالى - : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً . وقد دلت آيات من كتاب اللَّه على أن اللَّه - تعالى - لم يخاطبه في كتابه باسمه ، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله - سبحانه - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ . يا أَيُّهَا الرَّسُولُ . يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . مع أنه - سبحانه - قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم ، كقوله - تعالى - : وقُلْنا يا آدَمُ . وقوله - عز وجل - : ونادَيْناه أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا . أما النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب ، وإنما ذكر في غير ذلك ، كقوله - تعالى - وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِه الرُّسُلُ « 1 » . ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم في حضرة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول اللَّه ، أولئك الذين امتحن اللَّه قلوبهم للتقوى . وقوله : * ( يَغُضُّونَ ) * بمعنى يخفضون . يقال : غض فلان من صوته ومن طرفه إذا خفضه . وكل شيء كففته عن غيره فقد غضضته . وقوله : * ( امْتَحَنَ ) * أي : اختبر وأخلص ، وأصله من امتحان الذهب وإذابته ليخلص جيده من خبيثة ، والمراد به هنا : إخلاص القلوب لمراقبة اللَّه وتقواه . أي : إن الذين يخفضون أصواتهم في حضرة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وعند مخاطبتهم له . أولئك الذين يفعلون ذلك ، هم الذين أخلص اللَّه - تعالى - قلوبهم لتقواه وطاعته ، وجعلها خالصة من أي شيء سوى هذه الخشية والطاعة . قال صاحب الكشاف : « امتحن اللَّه قلوبهم للتقوى » من قولك : امتحن فلان لأمر كذا وجرب له ، ودرب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه ، والمعنى : أنهم صبروا على التقوى ، أقوياء على احتمال مشاقها . أو وضع الامتحان موضع المعرفة ، لأن تحقق الشيء باختباره ، كما يوضع الخبر موضعها ، فكأنه قيل : عرف اللَّه قلوبهم للتقوى « 2 » . وقوله : * ( لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ ) * بشارة عظيمة من اللَّه - تعالى - لهم . أي : لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مغفرة لذنوبهم ، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى اللَّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 7 ص 616 للشيخ الشنقيطي . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 355 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 301 | سيد محمد طنطاوي