تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
يحب المشفق عليه ، ويخاف ما يلحقه . فإذا عدى بحرف « من » فمعنى الخوف فيه أظهر ، وإذا عدى بحرف « في » فمعنى العناية فيه أظهر . وقوله - سبحانه - * ( ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ) * تأكيد لإيمان المؤمنين بها ، ومدح لهم على هذا الإيمان . أي : أن المؤمنين وجلون من الساعة لما فيها من حساب . . ومع ذلك فهم لصدق يقينهم يعتقدون أنها آتية لا ريب فيها ، ويستعدون لاستقبالها بالإيمان العميق ، وبالعمل الصالح الذي يرضى اللَّه - تعالى - . ثم وبخ - سبحانه - الذين يشكون في البعث والنشور فقال : * ( أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ) * . وقوله : * ( يُمارُونَ ) * من المماراة بمعنى المجادلة والمخاصمة . يقال : ماري فلان في الشيء يمارى مراء ومماراة ، إذا خاصم وجادل . أي : ألا إن الذين يخاصمون في قيام الساعة خصام شك وريبة ، لفي ضلال بعيد عن الحق ، وفي ذهول شديد عن الصواب ، لأن قدرة اللَّه - تعالى - لا يعجزها شيء ، ولأن حكمته قد اقتضت أن يجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - أنه رؤوف رحيم بعباده فقال : * ( اللَّه لَطِيفٌ بِعِبادِه ) * أي : حفى بهم ، عطوف عليهم ، يفيض عليهم جميعا من صنوف بره ما لا تحصيه العقول ، ومن مظاهر ذلك أنه لا يعاجلهم بالعقوبة ، مع مجاهرتهم بمعصيته ، وأنه يرزقهم جميعا مع أن أكثرهم لا يشكرونه على نعمه . وقوله * ( يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ ) * أي : يبسط رزقه ويوسعه لمن يشاء من خلقه * ( وهُوَ ) * سبحانه * ( الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) * أي : وهو العظيم القوة الغالب على كل من سواه . ثم حكى - تعالى - سنته التي لا تتخلف فقال : * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَه فِي حَرْثِه ) * . والحرث في الأصل : مصدر بمعنى إلقاء البذور في الأرض ، لتنبت ما ينفع الناس من زرع . والمراد به ثمرات الأعمال ونتائجها ، تشبيها لها بثمرات البذور . والمعنى : من كان يريد من الناس بأعماله ثواب الآخرة ، ورضا اللَّه - تعالى - ضاعف اللَّه - عز وجل - له الأجر والثواب والعطاء . * ( ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا ) * أي : ومن كان يريد بعمله شهوات الدنيا نؤته منها ،