تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
« أنتم خير أهل الأرض . . » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ ، وأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ) * بشارة أخرى لهؤلاء المؤمنين الصادقين . أي : لقد رضى - سبحانه - عن الذين بايعوك تحت الشجرة - أيها الرسول الكريم - حيث علم ما في قلوبهم من الصدق والإخلاص وإيثار الآخرة على الأولى ، فأنزل السكينة والطمأنينة والأمان عليهم ، * ( وأَثابَهُمْ ) * أي : وأعطاهم ومنحهم فتحا قريبا ، وهو فتح خيبر ، الذي كان بعد صلح الحديبية بأقل من شهرين . وقيل المراد به : فتح مكة ، والأول أرجح ، لأن فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه ، ولأن المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة . وقد أشار - سبحانه - بعد ذلك إلى تلك الغنائم فقال : * ( ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها . . . ) * . أي : وأثابكم مغانم كثيرة تأخذونها من خيبر . * ( وكانَ اللَّه ) * - تعالى - وما زال * ( عَزِيزاً ) * أي : غالبا * ( حَكِيماً ) * في كل أفعاله وأحكامه . * ( وَعَدَكُمُ اللَّه مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها . . . ) * أيها المؤمنون من أعدائكم في مستقبل أيامكم . وقد صدق اللَّه - تعالى - وعده معهم ، فلقد غنموا بعد ذلك من بلاد فارس والروم وغيرهما . والإشارة في قوله * ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِه ) * تعود إلى مغانم خيبر ، كما روى عن مجاهد - وعليه يكون المراد بالناس في قوله : * ( وكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ) * أهل خيبر وحلفاءهم من بنى أسد وغطفان حين جاؤوا لنصرة يهود خيبر ، فألقى اللَّه الخوف في قلوبهم جميعا . ويرى بعض المفسرين أن الإشارة في قوله : * ( فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِه ) * إلى صلح الحديبية وقد روى ذلك عن ابن عباس . وعليه يكون المراد بالناس في قوله : * ( وكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ ) * مشركي قريش ، أي : منعهم من حربكم ، بأن قذف في قلوبهم الرعب منكم . ويبدو لنا أن هذا الرأي الذي قاله ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - هو الأقرب إلى الصواب ، لأنه يتسق مع سياق الآيات ، ولأنه يؤكد أن صلح الحديبية كان فتحا ومغنما ، كان فتحا بدليل قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لمن شك في ذلك : « أي والذي نفسي بيده إنه لفتح »
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 108 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 276 | سيد محمد طنطاوي