تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
الأساليب المعروفة في الكلام ، حيث يتخاطبون فيما بينهم بمخاطبات لا يقصدون ظاهرها ، وإنما يقصدون أشياء أخرى فيها الإساءة إليك وإلى أتباعك . قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ) * يقول - تعالى - : ولو نشاء يا محمد لأريناك أشخاصهم ، فعرفتهم عيانا ، ولكن لم يفعل - سبحانه - ذلك في جميع المنافقين ، سترا منه على خلقه . * ( ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) * أي : فيما يبدون من كلامهم الدال على مقاصدهم . كما قال عثمان - رضى اللَّه عنه - : ما أسر أحد سريرة إلا أبداها اللَّه على صفحات وجهه ، وفلتات لسانه . وفي الحديث : « ما أسر أحد سريرة إلا كساه اللَّه جلبابها » . وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال : خطبنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خطبة فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : « إن منكم منافقين ، فمن سميت فليقم . ثم قال : قم يا فلان ، قم يا فلان - حتى سمى ستة وثلاثين رجلا - ثم قال : إن فيكم - أو منكم - فاتقوا اللَّه » « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ ) * ببان لعلمه الشامل - سبحانه - وتهديد لمن يجترح السيئات ، أي : واللَّه - تعالى - يعلم أعمالكم علما تاما كاملا ، وسيجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب . ثم بين - سبحانه - سنة من سننه في خلقه فقال : * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) * . أي : ولنعاملنكم - أيها الناس - معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة ، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم ، والصابرين منكم وغير الصابرين * ( ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) * أي : ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح . فالمراد بقوله : * ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ . . ) * إظهار هذا العلم للناس ، حتى يتميز قوى الإيمان من ضعيفه ، وصحيح العقيدة من سقيمها . وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا ، ووبختهم على مسالكهم الذميمة ، وفضحتهم على رؤس الأشهاد ، وحذرت المؤمنين من شرورهم . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالدعوة إلى صلاح الأعمال ، وبتهديد الكافرين
هامش
( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 304 .