تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
أي : بل أحسب هؤلاء المنافقون الذين امتلأت قلوبهم بمرض الكفر والضلال ، أن اللَّه - تعالى - غير قادر على إظهار أحقادهم الشديدة لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والمؤمنين ؟ إن حسبانهم هذا هو لون من جهالاتهم ومن غباوتهم وانطماس بصائرهم . لأن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال : * ( ولَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) * . والمراد بالإراءة هنا : التعريف والعلم الذي يقوم مقام الرؤية بالبصر ، كما في قولهم : سأريك يا فلان ما أصنع بك . أي : سأعلمك بذلك . والفاء في قوله : * ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ) * لترتيب المعرفة على الإراءة ، والمراد بسيماهم : علاماتهم . يقال : سوم فلان فرسه تسويما ، إذا جعل له علامة يتميز بها . وكررت اللام في قوله : * ( فَلَعَرَفْتَهُمْ ) * للتأكيد . ولحن القول : أسلوب من أساليبه المائلة عن الطريق المعروفة ، كأن يقول للقائل قولا يترك فيه التصريح إلى التعريض والإبهام ، يقال : لحنت لفلان ألحن لحنا ، إذا قلت له قولا يفهمه عنك ويخفى على غيره . قال الجمل : واللحن يقال على معنيين ، أحدهما : الكناية بالكلام حتى لا يفهمه غير مخاطبك - ومنه قول الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لبعض أصحابه في غزوة الأحزاب : « وإن وجدتموهم - أي : بني قريظة - على الغدر فالحنوا لي لحنا أعرفه » . والثاني : صرف الكلام من الإعراب إلى الخطأ - أي : من النطق السليم إلى النطق الخطأ - . ويقال من الأول : لحنت - بفتح الحاء - ألحن فأنا لاحن ، ويقال من الثاني : لحن - بكسر الحاء إذا لم ينطق نطقا سليما - فهو لحن « 1 » . والمعنى : ولو نشاء إعلامك وتعريفك - أيها الرسول الكريم - بهؤلاء المنافقين وبذواتهم وأشخاصهم لفعلنا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شيء * ( فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ) * أي : بعلاماتهم الخاصة بهم ، والتي يتميزون بها عن غيرهم . * ( ولَتَعْرِفَنَّهُمْ ) * - أيضا - * ( فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) * أي : ولتعرفنهم بسبب أقوالهم المائلة عن
هامش
( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 153 .