تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
- تعالى - ، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز - أيضا - كما قال - تعالى - : لَوْ أَرادَ اللَّه أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، سُبْحانَه هُوَ اللَّه الْواحِدُ الْقَهَّارُ « 1 » . وقال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - : قوله - تعالى - : * ( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ . . ) * وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح . . * ( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) * أي : فأنا أول من يعظم ذلك الولد ، وأسبقكم إلى طاعته . . وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض ، وهو المبالغة في نفى الولد ، والإطناب فيه . . وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد ، وهي محال في نفسها ، فكان المعلق بها محالا مثلها . . « 2 » . ويرى بعض العلماء أن * ( إِنْ ) * في الآية نافية بمعنى ما ، فيكون المعنى : قل - أيها الرسول - لهؤلاء الكافرين : ما كان للرحمن من ولد ، وما صح وما أمكن ذلك ، فهو مستحيل عقلا وشرعا . . . وما دام الأمر كذلك ، فأنا أول العابدين للَّه - تعالى - المنزهين له عن الولد والشريك وغيرهما . قال الإمام القرطبي : قوله - تعالى - : * ( قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ . . . ) * اختلف في معناه . فقال ابن عباس والحسن والسدي : المعنى : ما كان للرحمن ولد . * ( إِنْ ) * بمعنى ما ، ويكون الكلام على هذا تاما ، ثم تبتدى بقوله - تعالى - * ( فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ) * . وقيل المعنى : قل يا محمد ، إن ثبت له ولد ، فأنا أول من يعبد ولده ، ولكن يستحيل أن يكون له ولد ، وهو كما تقول لمن تناظره : إن ثبت ما قلت بالدليل ، فأنا أول من يعتقده ، وهذا مبالغة في الاستبعاد ، أي : لا سبيل إلى اعتقاده . . و * ( إِنْ ) * على هذا للشرط ، وهو الأجود . وقيل إن معنى * ( الْعابِدِينَ ) * الآنفين . وقال بعض العلماء لو كان كذلك لكان العبدين . . بغير ألف ، يقال : عبد - بكسر الباء - يعبد عبدا - بفتحها - إذا أنف وغضب فهو عبد ، والاسم العبدة ، مثل الأنفة . . « 3 » . ويبدو لنا أن الرأيين يؤديان إلى نفى أن يكون للَّه - تعالى - ولد وإن كان الرأي الأول - وهو أنّ حرف * ( إِنْ ) * للشرط - هو المتبادر من معنى الآية وعليه جمهور المفسرين .
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 238 . ( 2 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 265 . ( 3 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 120 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 104 | سيد محمد طنطاوي