ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا ، يكون بين الأتباع والمتبوعين ، أو بين العامة والزعماء .
كما تدل عليه آيات منها قوله - تعالى - : ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ، لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ « 1 » .
ثم حكى - سبحانه - ما قاله الضعفاء للزعماء فقال : * ( قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ ) * وللمفسرين في تأويل معنى اليمين هنا اتجاهات منها :
أن المراد باليمين هنا : الجهة التي هي جهة الخير واليمن : أي : قال الضعفاء للرؤساء :
إنكم كنتم في الدنيا توهموننا وتخدعوننا بالبقاء على ما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان ، لأن بقاءنا على ذلك فيه الخير واليمن والسلامة . فأين مصداق ما قلتموه لنا وقد نزل بنا ما نزل من أهوال وآلام ؟
فالمقصود بالآية الكريمة بيان ما يقوله الأتباع للمتبوعين على سبيل الحسرة والندامة ، لأنهم خدعوا بوسوستهم ، وأصيبوا بالخيبة بسبب اتباعهم لهم .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : اليمين لما كانت أشرف العضوين وأمتنهما ، وكانوا يتيمنون بها ، فبها يصافحون ، ويماسحون ، ويناولون ويتناولون ، ويزاولون أكثر الأمور .
لما كانت كذلك استعيرت لجهة الخير وجانبه ، فقيل : أتاه عن اليمين ، أي من الخير وناحيته . . « 2 » .
ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : اليمين الشرعية التي هي القسم ، وعن بمعنى الباء .
أي : قالوا لهم : إنكم كنتم في الدنيا تأتوننا بالأيمان المغلظة على أننا وأنتم على الحق فصدقناكم ، فأين نحن وأنتم الآن من هذه الأيمان المغلظة ؟ لقد ظهر كذبها وبطلانها ، وأنتم اليوم مسؤولون عما نحن فيه من كرب .
ومنهم من يرى أن المراد باليمين هنا : القوة والغلبة . أي : أنكم كنتم في الدنيا تجبروننا وتقسروننا على اتباعكم لأننا كنا ضعفاء وكنتم أقوياء .
والذي نراه أن الآية الكريمة تسع كل هذه الأقوال ، لأن الرؤساء أوهموا الضعفاء بأنهم على
هامش
( 1 ) سورة سبأ الآية 31 .
( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 39 .