تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
أي : إن ذلك الذي ذكرناه لكم من خلقكم ابتداء ، ثم إعادتكم إلى الحياة بعد موتكم ، يسير وهين على اللَّه ، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شيء . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم أن يلفت أنظار قومه إلى التأمل والتدبر في أحوال هذا الكون ، لعل هذا التأمل يهديهم إلى الحق فقال : * ( قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ، ثُمَّ اللَّه يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ . . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المنكرين للبعث : سيحوا في الأرض ، وتتبعوا أحوال الخلق ، وتأملوا كيف خلقهم اللَّه - تعالى - ابتداء على أطوار مختلفة ، وطبائع متمايزة . وأحوال شتى . . . ثم قل لهم بعد كل ذلك ، اللَّه الذي خلق الخلق ابتداء على تلك الصور المتنوعة والمتكاثرة ، هو وحده الذي * ( يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) * أي : هو وحده الذي ينشئهم ويخلقهم ويعيدهم إلى الحياة مرة أخرى ، بعد أن أوجدهم في المرة الأولى . فجملة * ( ثُمَّ اللَّه يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ ) * معطوفة على قوله : * ( سِيرُوا . . . ) * وداخلة معها في حيز القول . . والكيفية في هذه الآية باعتبار بدء الخلق على أطوار شتى ، وصور متعددة . . . وفي الآية السابقة وهي قوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّه الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ) * باعتبار بدء الخلق من مادة وغيرها . والمقصود بالأمر بالسير : التدبر والتأمل والاعتبار ، لأن من شأن التنقل في جنبات الأرض ، أنه يوقظ الحس ، ويبعث على التفكير ، ويفتح العين والقلب على المشاهد الجديدة التي لم تألفها العين ، ولم يتأملها القلب قبل ذلك . وجاء الأمر بالسير عاما ، لأن كل إنسان - في كل زمان ومكان - يأخذ من وجوه العبرة والعظة - عن طريق هذا السير ما يتناسب مع عقله ، وثقافته ، وبيئته ، وفكره ، ومستواه المادي ، والاجتماعي ، والحضارى . . . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * تعليل لما قبله . أي : هو - سبحانه - قادر على النشأة الأولى ، وعلى النشأة الآخرة ، لأن قدرته لا يعجزها شيء ولا يحول دون نفاذها حائل . وهو - سبحانه - * ( يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) * ويرحم من يشاء برحمته ، * ( وإِلَيْه ) * وحده لا إلى غيره * ( تُقْلَبُونَ ) * أي : ترجعون جميعا فيحاسبكم على أعمالكم .