تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وقوله - تعالى - * ( فَسْئَلِ الْعادِّينَ ) * يشعر بذهولهم عن التحقق من مقدار المدة التي لبثوها في الدنيا . أي : فاسأل المتمكنين من معرفة المدة التي مكثناها في الدنيا . فيرد اللَّه - تعالى - عليهم بقوله * ( قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ ) * أي : ما لبثتم في الدنيا ، * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * أي : إلا وقتا قليلا * ( لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * شيئا من العلم لأدركتم أن ما لبثتموه في الدنيا ، هو قليل جدا بالنسبة إلى مكثكم في النار بسبب إصراركم على كفركم في حياتكم الدنيا . فجواب لو محذوف ، لدلالة الكلام عليه . ولا يتعارض قولهم هنا * ( لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) * مع آيات أخرى ذكرت بأنهم يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً « 1 » وبأنهم ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كما في قوله - تعالى - . ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ . . . « 2 » . لأن كل فريق منهم قد أخبر بما تبادر إلى ذهنه ، فبعضهم قال : لبثنا عشرا ، وبعضهم قال : لبثنا يوما أو بعض يوم ، وبعضهم أقسم بأنه ما لبث في الدنيا غير ساعة . وهذا يدل على أن أهوال العذاب ، قد أنستهم ما كانوا فيه في الدنيا من متاع ، وما انغمسوا فيه من شهوات . . . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً . . . ) * للإنكار والنفي . والحسبان هنا : بمعنى الظن . والفاء معطوفة على محذوف مقدر . والعبث : اللعب وما لا فائدة فيه من قول أو فعل . أي : أغرتكم الدنيا ، وغفلتم عن مصيركم ، فحسبتم أنما خلقناكم عبثا لا لحكمة تقتضيها إرادتنا من خلقكم ، وحسبتم كذلك * ( أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) * يوم القيامة للحساب والجزاء . إن جزاء هذا الحسبان الباطل ، هو هذا المصير المهين الذي تصطلون بناره اليوم . ثم نزه - سبحانه - ذاته عن أن يكون قد خلقهم عبثا فقال : * ( فَتَعالَى اللَّه الْمَلِكُ الْحَقُّ . . . ) * أي : فتعاظم وتقدس عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله ، اللَّه الملك الحق ، فهو - عز وجل - منزه عن أن يخلق الناس بدون حكمة أو غرض صحيح . * ( لا إِله إِلَّا هُوَ ) * فإن كل ما عداه مخلوق له ، وهو - سبحانه - * ( رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ . ) *
هامش
( 1 ) سورة طه الآية 103 . ( 2 ) سورة الروم الآية 55 .