من التفكير في المطالبة بالرجعة ، وتهديد لهم بعذاب القبر إلى يوم القيامة .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن ما ينفع الناس يوم القيامة إنما هو إيمانهم وعملهم ، لا أحسابهم ولا أنسابهم . فقال - تعالى - : * ( فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ . ) *
والأنساب : جمع نسب . والمراد به القرابة ، والمراد بالنفخ في الصور : النفخة الثانية التي يقع عندها البعث والنشور . وقيل : النفخة الأولى التي عندها يحيى اللَّه الموتى .
والمراد بنفي الأنساب : انقطاع آثارها التي كانت مترتبة عليها في الدنيا ، من التفاخر بها ، والانتفاع بهذه القرابة في قضاء الحوائج .
أي : فإذا نفخ إسرافيل - عليه السلام - في الصور - وهو آلة نفوض هيئتها إلى اللَّه - تعالى - ، فلا أنساب ولا أحساب بين الناس نافعة لهم في هذا الوقت ، إذ النافع في ذلك الوقت هو الإيمان والعمل الصالح .
ولا هم يتساءلون فيما بينهم لشدة الهول ، واستيلاء الفزع على النفوس ولا تنافى بين هذه الآية ، وبين قوله - تعالى - : فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ « 1 » فإن كل آية تحكى حالة من الحالات ، ويوم القيامة له مواقف متعددة ، فهم لا يتساءلون من شدة الهول في موقف . ويتساءلون في آخر عندما يأذن اللَّه - تعالى - لهم بذلك .
وقوله - سبحانه - : * ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . . . ) * بيان لما يكون بعد النفخ في الصور من ثواب أو عقاب .
أي : وجاء وقت الحساب بعد النفخ في الصور ، * ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُه ) * أي : موازين أعماله الصالحة ، * ( فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * فلاحا ليس بعده فلاح .
* ( ومَنْ خَفَّتْ ) * موازين أعماله الصالحة * ( فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ) * بأن ضيعوها وألقوا بها إلى التهلكة ، فهم ، * ( فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ) * فيها خلودا أبديا . * ( تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وهُمْ فِيها كالِحُونَ ) * واللفح : الإحراق الشديد يقال : فلان لفحته النار تلفحه لفحا ولفحانا إذا أحرقته .
والكلوح ، هو أن تتقلص الشفتان ، وتتكشف الأسنان ، لأن النار قد أحرقت الشفتين ، كما يشاهد - والعياذ باللَّه - رأس الشاة بعد شويها .
أي : تحرق النار وجوه هؤلاء الأشقياء ، وهم فيها متقلصو الشفاه عن الأسنان ، من أثر
هامش
( 1 ) سورة الصافات الآية 50 .