تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
يقولون بعد أن رأوا هلاكه : * ( وَيْكَأَنَّ اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ويَقْدِرُ ) * أي : صاروا يقولون ما أعجب قدرة اللَّه - تعالى - في إعطائه الرزق لمن يشاء من عباده وفي منعه عمن يشاء منهم ، وما أحكمها في تصريف الأمور ، وما أشد غفلتنا عندما تمنينا أن نكون مثل قارون ، وما أكثر ندمنا على ذلك . لولا أن اللَّه - تعالى - قد منّ علينا ، بفضله وكرمه لخسف بنا الأرض كما خسفها بقارون وبداره . * ( وَيْكَأَنَّه لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ) * أي : ما أعظم حكمة اللَّه - تعالى - في إهلاكه للقوم الكافرين ، وفي إمهاله لهم ثم يأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر . ثم ختم - سبحانه - قصة قارون ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف فقال : * ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً ) * . واسم الإشارة * ( تِلْكَ ) * مبتدأ ، والدار الآخرة صفة له ، ونجعلها . . خبره ، وجاءت الإشارة بهذه الصيغة المفيدة للبعد ، للإشعار بعظم هذه الدار وعلو شأنها . أي : تلك الدار الآخرة وما فيها من جنات ونعيم ، نجعلها خالصة لعبادنا الذين لا يريدون بأقوالهم ولا بأفعالهم * ( عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ) * أي : تطاولا وتعاليا فيها * ( ولا فَساداً ) * أي : ظلما أو بغيا أو عدوانا على أحد . * ( والْعاقِبَةُ ) * الطيبة الحسنة ، إنما هي * ( لِلْمُتَّقِينَ ) * الذين صانوا أنفسهم عن كل سوء وقبيح . * ( مَنْ جاءَ ) * في دنياه * ( بِالْحَسَنَةِ ) * أي بالأعمال الحسنة * ( فَلَه ) * في مقابلها عندنا بفضلنا وإحساننا * ( خَيْرٌ مِنْها ) * أي : فله عندنا خير مما جاء به من حسنات ، بأن نضاعفها ، وتثيبه عليها ثوابا عظيما لا يعلم مقداره أحد . * ( ومَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ ، فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا ) * الأعمال * ( السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) * أي : فلا يجزون إلا الجزاء الذي يناسب أعمالهم في القبح والسوء . وهكذا يسوق لنا القرآن في قصصه العبر والعظات ، لقوم يتذكرون ، فمن قصة قارون نرى أن كفران النعم يؤدى إلى زوالها ، وأن الغرور والبغي والتفاخر كل ذلك يؤدى إلى الهلاك ، وأن خير الناس من يبتغى فيما آتاه اللَّه من نعم ثواب الآخرة ، دون أن يهمل نصيبه من الدنيا ، وأن العاقل هو من يستجيب لنصح الناصحين ، وأن الناس في كل زمان ومكان ، منهم الذين يريدون زينة الحياة الدنيا ، ومنهم الأخيار الأبرار الذين يفضلون ثواب الآخرة ، على
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 441 | سيد محمد طنطاوي