تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
واجتهاده ، مع أنه يعلم - حق العلم عن طريق التوراة وغيرها ، أن اللَّه - تعالى - قد أهلك من قبله . من أهل القرون السابقة عليه من هو أشد منه في القوة ، وأكثر منه في جمع المال واكتنازه . فالمقصود بالجملة الكريمة تهديده وتوبيخه على غروره وبطره . وقوله - سبحانه - : * ( ولا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ) * جملة حالية . أي : والحال أنه لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون سؤال استعتاب واستعلام ، لأن اللَّه - تعالى - لا يخفى عليه شيء . وإنما يسألون - كما جاء في قوله - تعالى - فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ - سؤال توبيخ وإفضاح . فالمراد بالنفي في قوله - سبحانه - * ( ولا يُسْئَلُ . . ) * سؤال الاستعلام والاستعتاب ، والمراد بالإثبات في قوله : فَلَنَسْئَلَنَّ أو في قوله : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ سؤال التقريع والتوبيخ . أو نقول : إن في يوم القيامة مواقف ، فالمجرمون قد يسألون في موقف ، ولا يسألون في موقف آخر ، وبذلك يمكن الجمع بين الآيات التي تنفى السؤال والآيات التي تثبته . ثم حكى القرآن بعد ذلك مظهرا آخر من مظاهر غرور قارون وبطره فقال : * ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِه فِي زِينَتِه ) * والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك * ( قالَ إِنَّما أُوتِيتُه عَلى عِلْمٍ عِنْدِي ) * وما بينهما اعتراض . والزينة : اسم ما يتزين به الإنسان من حلى أو ثياب أو ما يشبههما . أي : قال ما قال قارون على سبيل الفخر والخيلاء ، ولم يكتف بهذا القول بل خرج على قومه في زينة عظيمة . وأبهة فخمة ، فيها ما فيها من ألوان الرياش والخدم . وقد ذكر بعض المفسرين روايات متعددة ، في زينته التي خرج فيها ، رأينا أن نضرب عنها صفحا لضعفها ، ويكفى أن نعلم أنها زينة فخمة ، لأنه لم يرد نص في تفاصيلها . وأمام هذه الزينة الفخمة التي خرج فيها قارون ، انقسم الناس إلى فريقين ، فريق استهوته هذه الزينة ، وتمنى أن يكون له مثلها ، وقد عبر القرآن عن هذا الفريق بقوله : * ( قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّه لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) * . أي : خرج قارون على قومه في زينته ، فما كان من الذين يريدون الحياة الدنيا وزخارفها من قومه ، إلا أن قالوا على سبيل التمني والانبهار . . يا ليت لنا مثل ما أوتى قارون من مال وزينة ورياش ، إنه لذو حظ عظيم ، ونصيب ضخم ، من متاع الدنيا وزينتها .