تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
تنظر الشيء كأنك لا تريده « 1 » . والتعبير بقوله - تعالى - * ( فَبَصُرَتْ بِه عَنْ جُنُبٍ ) * يشعر بأن أخت موسى أبصرت أخاها إبصارا فيه مخادعة لآل فرعون ، حتى لا تجعلهم يشعرون بأنها تبحث عنه . ويشهد لذلك قوله - تعالى - : * ( وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * أي : وهم - أي آل فرعون - لا يشعرون أنها أخته تبحث عنه وتتبع أخباره . ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر حكمته وقدرته وتدبيره لأمر موسى كي يعود إلى أمه ، فقال - تعالى - . * ( وحَرَّمْنا عَلَيْه الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ . . . ) * والمراد بالتحريم هنا : المنع ، والمراضع : جمع مرضع - بضم الميم وكسر الضاد - وهي المرأة التي ترضع . أي : ومنعنا موسى بقدرتنا وحكمتنا من أن يرضع من المرضعات وكان ذلك من قبل أن تعلم بخبره أمه وأخته . قال ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( وحَرَّمْنا عَلَيْه الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ ) * أي : تحريما قدريا ، وذلك لكرامة اللَّه له ، صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه ، لأنه - سبحانه - جعل ذلك سببا إلى رجوعه إلى أمه ، لترضعه وهي آمنة بعد أن كانت خائفة . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَه لَكُمْ وهُمْ لَه ناصِحُونَ ) * حكاية لما قالته أخت موسى لفرعون وحاشيته ، والاستفهام للتحضيض . أي : وبعد أن بصرت أخت موسى به عن جنب ، ورأت رفضه للمراضع ، وبحثهم عمن يرضعه ، قالت : * ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَه لَكُمْ ) * أي : يقومون بتربيته وإرضاعه من أجل راحتكم وراحته ، * ( وهُمْ لَه ناصِحُونَ ) * أي : وهم لا يمنعونه ما ينفعه في تربيته وغذائه ، ولا يقصرون فيما يعود عليه بالخير والعافية . وقوله - سبحانه - : * ( فَرَدَدْناه إِلى أُمِّه كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ) * معطوف على كلام محذوف ، والتقدير : فسمعوا منها ما قالت ، ودلتهم على أمه ، فرددناه إليها ، كي يطمئن قلبها وتقر عينها برجوع ولدها إليها ، ولا تحزن لفراقه . ولتعلم أن وعد اللَّه - تعالى - حق ، أي : أن وعده - سبحانه - لا خلف فيه ، بل هو كائن لا محالة .
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 20 ص 50 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 233 .