تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
والمعنى : نتلو عليك - أيها الرسول الكريم - تلاوة كلها حق وصدق ، شيئا عجيبا ، وخبرا هاما ، يتعلق بقصة موسى - عليه السلام - ، وبقصة فرعون . وقوله - سبحانه - : * ( لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * أي : نتلو عليك هذه الآيات ، لقوم يؤمنون بها ، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ ، وجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً . . . ) * كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ . وقوله * ( عَلا فِي الأَرْضِ ) * أي تكبر فيها وطغى ، من العلو بمعنى الارتفاع . والمقصود أنه جاوز كل حد في غروره وظلمه وعدوانه . والمراد بالأرض : أرض مصر وما يتبعها من بلاد . و * ( شِيَعاً ) * جمع شيعة ، وهم الأتباع والجماعات ، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته . أي : إن فرعون طغى وبغى وتجبر في الأرض ، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له ، وصار يستعمل كل طائفة منهم ، فيما يريده من أمور دولته ، فهذه الطائفة للبناء ، وتلك للسحر ، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد . . وجملة * ( يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ ) * لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا . والمراد بهذه الطائفة : بنو إسرائيل . أي : أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم ، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم . أي : يذبح الذكور من بني إسرائيل بمجرد ولادتهم ، ويترك الإناث أحياء . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه : أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال . وذلك يقتضى انقطاع النسل . . ثانيها : أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء في المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال . . ثالثها : أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل ، وتحمل الكد ، والرجاء القوى في الانتفاع به ، من أعظم العذاب . . رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن ، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء ، وذلك نهاية الذل والهوان « 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 358 .