تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
أي : قال الملأ من قوم هذا النبي لغيرهم ، على سبيل التحذير من اتباعه : بعد بعدا كبيرا ما يعدكم به هذا الرجل من أن هناك بعثا وحسابا وجزاء بعد الموت ، وأن هناك جنة ونارا يوم القيامة . قال الآلوسي : « وقوله - سبحانه - : * ( هَيْهاتَ ) * اسم بمعنى بعد . وهو في الأصل اسم صوت ، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة أو للوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق . والغالب في هذه الكلمة مجيئها مكررة . . وقوله * ( لِما تُوعَدُونَ ) * بيان لمرجع ذلك الضمير ، فاللام متعلقة بمقدر ، كما في قولهم : سقيا له . أي : التصديق أو الوقوع المتصف بالبعد كائن لما توعدون . . « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا . . ) * بيان لتماديهم في جحودهم وجهلهم وغرورهم . أي : إنهم لم يكتفوا باستبعاد حصول البعث والجزاء يوم القيامة بل أضافوا إلى ذلك الإنكار الشديد لحصولهما فقالوا : ما الحياة الحقيقية التي لا حياة بعدها إلا حياتنا الدنيا التي نحياها ، ولا وجود لحياة أخرى ، كما يقول هذا النبي - فنحن نموت كما مات آباؤنا ، ونحيا كما يولد أبناؤنا . وهكذا الدنيا فيها موت لبعض الناس ، وفيها حياة لغيرهم * ( وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ) * بعد الموت على الإطلاق . ثم أضافوا إلى إنكارهم هذا للدار الآخرة ، تطاولا على نبيهم ، واتهاما له بما هو برئ منه ، فقالوا : * ( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّه كَذِباً . . . ) * أي ما هذا النبي الذي أمركم بترك عبادة آلهتكم ، وأخبركم بأن هناك بعثا وحسابا ، إلا رجل اختلق على اللَّه الكذب فيما يقوله ويدعو إليه * ( وما نَحْنُ لَه بِمُؤْمِنِينَ ) * في يوم من الأيام ، فكونوا مثلنا - أيها الناس - في عدم الإيمان به ، وفي الانصراف عنه . وهكذا يصور لنا القرآن الكريم بأسلوبه البليغ ، موقف الطغاة من دعوة الحق ، وكيف أنهم لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم ، بل يؤلبون غيرهم بكل وسيلة على الانقياد لهم ، وعلى محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل وشتى الطرق . ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف النبي الذي أرسله اللَّه - تعالى - لهؤلاء القوم الظالمين فيقول : * ( قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ . ) * أي : قال ما قاله أخوه نوح من قبله : رب انصرني على هؤلاء الجاحدين ، فأنت تعلم -
هامش
( 1 ) تفسير الآلوسي ج 18 ص 31 .