تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
يا إلهي - أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك . وجاءت الاستجابة من اللَّه - تعالى - لهذا النبي ، كما جاءت لأخيه نوح من قبله ، ويحكى القرآن ذلك فيقول : * ( قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ . ) * أي : قال اللَّه - عز وجل - لنبيه : لقد أجبنا دعاءك أيها النبي الكريم ، وبعد وقت قليل من الزمان . ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم القبيحة ، ولكن هذا الندم لن ينفعهم لأنه جاء في غير أوانه . والجار والمجرور في قوله * ( عَمَّا قَلِيلٍ ) * متعلق بقوله : * ( لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ) * أي : ليصبحن عن زمن قليل نادمين ، و « عن » هنا بمعنى بعد ، و « ما » جيء بها لتأكيد معنى القلة . وأكد - سبحانه - قوله * ( لَيُصْبِحُنَّ ) * بلام القسم ونون التوكيد ، لبيان أن هذا الوعيد آت لا ريب فيه ، وفي وقت قريب . وجاء الوعيد فعلا . وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال : * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ . . . ) * أي : فأهلكناهم إهلاكا تامّا ، بالصيحة التي صاحها بهم جبريل - عليه السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاتية التي أرسلها اللَّه عليهم فدمروا تدميرا . وذكر - سبحانه - هنا الصيحة فقط مع أن قوم هود قد أهلكوا بها وبالريح الصرصر العاتية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين لو انفردت كافية لإهلاكهم ، فقد قال - سبحانه - في شأن الريح التي أرسلها عليهم : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ « 1 » . وقوله * ( بِالْحَقِّ ) * حال من الصيحة ، وهو متعلق بمحذوف ، والتقدير ، فأخذتهم الصيحة حالة كونها بالعدل الذي لا ظلم معه ، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم لنبيهم . وقوله سبحانه - : * ( فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * بيان لمصيرهم الأليم . والغثاء : الرميم الهامد الذي يحمله السيل من ورق الشجر وغيره ، يقال : غثا الوادي يغثو إذا كثر غثاؤه . أي : فصيرناهم هلكى هامدين كغثاء السيل البالي ، الذي اختلط بزبده ، فهلاكا وبعدا لهؤلاء القوم الظالمين ، كما هلك وبعد من قبلهم قوم نوح - عليه السلام - .
هامش
( 1 ) سورة الأحقاف الآية 25 .